من منّا لا يعرف قيس بن الملوح الذي أحب ابنة عمه ليلى العامرية التي حرموه الزواج منها فهام بها عشقاً حتى فقد عقله وقال فيها من الشعر ما تغنت به الأجيال في عالمنا العربي على امتداده وأصبح مضرب المثل في العشق العفيف الرائع .
قيس بن الملوح ذلك العاشق الأسطوري كيف مات ؟
يقول الرواة أن شيخاً من بني مرة التقى بقيس بعد انعزاله في الصحراء وبعده عن الناس .
يقول ذلك الشيخ : ذهبت أبحث عنه فأخبرني أحد أصدقائه المقربين إليه قائلاً إذا رأيته فادن منه ولا تجعله يشعر أنك تهابه فإنك إن فعلت فسيهددك ويتوعدك أو يرميك بحجر فإنه إن فعل ذلك فاجلس صارفاً بصرك عنه فإذا سكن فأنشده شعراً غزلاً من شعر قيس ين ذريح حبيب لبنى لأنه معجب به وبشعره .
يقول ذلك الشيخ : أمضيت يومي من الصباح الباكر باحثاً عن ذلك العاشق الهام حتى وجدته عصر ذلك اليوم جالساً يخط على الرمل بإصبعه وحين دنوت منه نفر مني نفور الوحش من الأنس فأعرضت عنه حتى سكن وعندها أنشدت شعراً لقيس بن ذريح كنت أحفظه :
إلا يا غراب البين ويحك نبني = بعلمك في لبنى وأنت خبير
فإن أنت لم تخبر بشيء علمته = فلا طرت إلاّ والجناح كسير
يقول : حين أنشدت ذلك الشعر اقترب قيس مني وقال وهو يحاول كتم بكاءه : لقد أحسن والله ذلك الشاعر ولكني قلت شعراً أحسن منه ثم أنشد :
كأن القلب ليلة قيل يفدى = بليلى العامرية أو يراح
قطاه غرها شرك فباتت = تجاذبه وقد علق الجناح
ويستطرد ذلك الشيخ في قصته قائلاً : بعد أن أنشد قيس قصيدته بادرته بقصيدة أخرى لقيس بن ذريح تقول :
وإني لمفني دمع عيني بالبكاء = حذارً لما قد كان أو هو كائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي = بكفِك إلاّ أن من حان حائن
يقول ذلك الشيخ : أن قيس ما أن سمع هذه القصيدة حتى شهق شهقة ظننت أن روحه فاضت بسببها وبكى بحرقة وقد رأيت دموعه بلت الرمل الذي بين يديه فقال وهو يغالب بكائه والله لقد أحسن ولكني قلت شعراً أحسن منه ثم أنشد :
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني = بقول يحل العصم سهل الأباطح
تناءيت عني حين لالي حيلة = وخلفت ما خلفت بين الجوانح
وبعد أن أنهى قصيدته مرت بقربنا غزاله تعدو فنهض قيس يجري خلفها حتى توارى عن ناظري ويواصل ذلك الشيخ قصته مع قيس قائلاً :
وفي اليوم التالي عدت إلى نفس المكان على أمل أن أتتقيه فوجدت امرأة وقد وضعت طعاماً في المكان الذي كان يجلس فيه قيس وانقضى ذلك اليوم دون أن يأتي قيس .. ومضت ثلاثة أيام ولم أره فيها فأخذ أهله يبحثون عنه وأنا معهم دون جدوى .
وفي اليوم الرابع وبعد سير طويل في الصحراء للبحث عنه وجدناه في وادي كثير الحجارة وهو ميت فوقها .
يقال بأنه بعد انتشار خبر وفاة قيس بين أحياء العرب لم تبق فتاة من بني جعدة ولا بني الحريش إلا وخرجت حاسرة الرأس صارخة عليه تندية وأجتمع فتيان الحي يبكون عليه أحر بكاء وشاركهم في ذلك كاف قبيلة حبيبته ليلى العامرية حيث حضروا معزين وأبوها معهم وكان أشد القوم جزعاً وبكاءً عليه وهو يقول :
ما علمنا أن الأمر يبلغ كل هذا ولكني كنت عربياً أخاف من العار وقبح الأحدوثة .