فتوة حارتنا
( قصة قصيرة 17/7/1426هـ )
الدبش - كان لقبه الذي يعتز به ، وفعله ، وشكله ، هكذا رأيته أول مرة على دراجتة النارية الكبيرة من نوع المدفع ، ذات صوت كأنه صوت دبابة حربية .
كانت أعمارنا لم تتجاوز العاشرة حينما قال لي صديقي ونحن ذاهبين للمدرسة : هذا هو الدبش .
كان هامة بجسم ثور ، بشع المنظر ، نظراته شرسة مخيفة ، على جبهته شج غريب ، والأوشام تغطي كامل جسده ، كان يرتدي فوطة وفلينة عسكري ذات ثلاثة أزارير ، ويلبس خاتما فضيا ذو فص كبير .
كنا بطرف الشارع وهو يمر من أمامنا فالتصق صديقي بالجدار فقلدته والتصقت به أو بالجدار - لا أدري ، عموما مر من أمامنا بردا وسلاما ولم يلحظ وجودنا ، تنفس صديقي الصعداء ثم نظر للسماء وقال : الحمد لله لم يرنا .
نظرت إليه بتعجب مستفسرا فقال : أنت لا تعرف من هو الدبش ؟
قلت : لا .
قال : هذا أكبر فتوة في الحارة .
قلت : ومن الفتوة ؟
قال : الفتوة هو من لا يغلبه أحد في أي شجار وهو شرس لا يتفاهم إلا بيده وهكذا .
قلت : يعني شرير ؟
قال : نعم الله يكفينا الله شره .
وبدأ يوصف مقدار هذا الشر على مسامعي فقد حدثني أنه يوم من الأيام ضرب ثلاثة ، وأربعة وخمسة وحتى العشرة بمفرده .
أخبرني أنه يحب لون الدم ولا يرتاح حتى يرى دم خصومه أو أحدهم مهراقا ، كان يفت الحديد بأسنانه ويقطع السلاسل بيديه ، وكان يسقط أسوار منازل خصومه بدفعة من كتفه ويخرجهم من منازلهم ليجهز عليهم ، كان كلامه مطاعا ، وصوته مسموعا ، وأمره لا يرد ، ولا يستطيع أحد ما مهما كان في القوة والجبروت أن يتصدى له ، صوره لي كعنترة في البأس ، وكشمشون في البطش ، صوره لي أعند من الفولاذ ، وصوته كالرعد فأصنج أذني وأرعب قلبي الصغير حتى صرت قبل أن أنام أتصوره أمامي يتراءى على نور الفانوس الخافت فأنام من الخوف .
وفي سني الدراسة المتوسطة قلما ينفك الرفاق عن تداول حكايات الدبش فقد تعدى صيته إلى الحواري المجاورة بل وأنحاء من المدينة ، فمرات عديدة أسمعهم يتحدثون عنه كأفسق ما خلق الله في الأرض ، ومرة يمجدونه لأنه دافع عن شباب حارتنا أمام شباب حارة أخرى ، فأدمى وأدمي ، مرة يرفعونه فيجعلونه مناضلا للدفاع عن المظلومين والمقهورين ومرة يذمونه فيصوروه كأنذل خلق الله وأكبرهم خسة ودناءة ، وكنت أتأمل أحاديثهم عنه وأتفكر قائلا لنفسي : ما أعجب البشر ، وكيف يحكمون على الأفعال ، إن وافقت هواهم عظموها وإن أختلفت وأهوائهم أكبروها وسخطوا على فاعلها .
( ألم يكن هذا هو الذي كنتم بالأمس تمتدحوه بأنه أب المظلومين والضعفاء وحامل راية الحرية ؟ ، ألم يكن هذا الذي كنتم تثنون على أفعاله وأقواله ؟ ألم تثنون عليه بالأمس لأنه يعول أيتام الحارة ، ويكسي الأرامل في الأعياد ، ويهبهم المال والغذاء والدواء ؟ )
هكذا ألقيت أسئلتي على رفقتي أثناء جلوسنا في فناء المدرسة أثناء الفسحة .
ظلوا برهة صامتين حتى بدد السكون جرس انتهاء الفسحة وتفرقنا .
كنت عائدا من المدرسة سيرا مع زميل لي أثناء دراستي الثانوية وأخبرني أن الدبش ألتزم ولم يعد يعرف غير المسجد والمحاضرات والدروس الدينية وأنه شرع في حفظ القرآن .
رددت بلا مبالاة : يهدي الله من يشاء .
وأثناء سيرنا في يوم آخر وجدنا حادثا يبدو أنه دراجة نارية بسائقها انحشرت تحت شاحنة متوسطة الحجم ، دفعني فضولي ودنوت من مكان الحادث ، قال صديقي إنه الدبش فهو يعرف دراجته النارية انتظرنا المسعفون يخرجونه من تحت الشاحنة ، أما أنا فكنت متلهفا لأراه للمرة الثانية فما رأيته غير مرة واحدة وكنت حينها صغيرا .
سحبه المسعفون ورأيت ذاك الشاب الذي قد يكبرني بعامين إلى خمسة أعوام على أكبر تقدير ، كان شابا وسيما أمرد نحيل متوسط الطول أبيض البشرة خلا وجهه من الشعر تماما غير زغب نابت فوق شفته العليا ، شعره قصير لكنه أسود قاتم وناعم وملابسه ثمينة ، كنت مستغرقا في تأمل الشاب وهو جثة هامدة بلا روح وخيل إلي أنه يبتسم أو أن ملامحه من ذاك النوع الطفولي الباسم فأيقنت أن هناك خطأ ما ، فما هذا هو الدبش الذي أعرفه .
قال أحد المتفرجين بتأثر بالغ : رحمك الله يا دبش .
نظرت إليه وقلت : أنت مخطئ فما هذا الدبش .
نظر إلي بتحدي : أعرفه أكثر منك فهو جاري منذ الطفولة .
نظرت نحو صديقي فهز رأسه بالإيجاب .