عرض مشاركة واحدة
قديم 06-11-2006, 08:07 PM   #4 (permalink)

shaher

عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher
 






معدل تقييم المستوى: 3
shaher has a little shameless behaviour in the past
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher

علم الدولة: علم الدولة
 

My SMS

افتراضي

-2-
أما شاهر فقد أخذ يتوسل باسمه واسم أبيه راجيا سيده أن يصغي إليه ولكن دون جدوى وقد أدرك المالك أن هذا العبد قوي البنية شديد البأس فزاد من توثيقه بسلاسل حديدية وجرة كالحيوان إلي داره وعندما وصل للدار علق على رقبته قطعة حديدية دليلا بالعبودية له وبهذه القطعة نقش اسم مالكه فإن ضل العبد أو ضاع عرفه الناس من هذه القطعة فقد كان أغلب العبيد لا يعرفون اللغة العربية فهم يجلبون من إفريقيا عبر تجار الرقيق .
وبعد أن ضمه إلى عبيده أمرهم بعدم فكه من قيوده حتى يعطي الأمر بذلك ولما أن رأى مقدار عصيانه وتذمره الشديد أمر بضربه حتى يستكين وبذا علم شاهر أنه لا فكاك من مصيره المجهول إلا بالخدعة والتظاهر بالطاعة لسيده وبدأ يخطط برجاحة عقل وحكمة فتظاهر بالطاعة العمياء والتذلل لسيده فسر السيد لذلك وأدرك أنه استكان العبد أخيرا وبدأ يجربه في أعمال الزراعة وجني المحاصيل فكان كآلة لا تمل ولا تكل فقد أبدى قوة عجيبة وهو في الأغلال فكيف لو أطلق سراحه هكذا كان يفكر السيد الذي رأى أنه مازال الوقت مبكرا لفك قيوده فقد يكون ماكرا ينوي الهرب .

وفي إحدى الليالي القمرية ومع هبوب نسمة عليلة أفعمت الهواء بنفحة باردة دغدغت أفئدة الهجوع الأول من الليل وتسربلت بضوء بدر ساطع حوله هالة وضاءة كأنها سديم تصاعد من أبخرة الأرض فتجود عطرا فواحا وشذا أخاذا يعبق القلوب ويبهجها سمع الشيخ فالح صوت حداء جميل اطرق له أذنيه نشوة وطربا وسار كالثمل لناحية الصوت وجلس في مكان مظلم خلف سور الحضيرة الذي حجب شيئا من ضوء القمر البادي كأنه وجه حسناء يغازل شغاف قلوب تائهة تبحث عن ملجأ في دروب تسربلت بالغموض ، وأخذ يسترق السمع إلى ذلك الحداء الجميل النابع من حنجرة شاهر والذي لم يكتشفه إلا في هذه الليلة فتمتم الشيخ في نفسه : يا لهذا العبد إنه لثروة تواز غانية وخمسة عبيد أشداء . ، وظل يستمع مطرقا متفكرا يغوص في أعماق أحداث غيبته فيجد نفسه تنازعه لتبجيل هذا الصوت الرخيم الذي يدفع المرء للانتشاء والسكر ، وعاد بفكره للوراء واطرق متذكرا والتمعت عيناه وتنهد بدون شعور فأحس شاهر بوجود شيء مريب خلف السور فصمت قليلا ثم كالذي أوجس خيفة نادى : من هناك ؟
فظهر الشيخ قائما وهو يقول : لا تخف يا شاهر ، أنا سيدك .
شاهر : سيدي ؟ خير إن شاء الله ، أتريد مني خدمة ما ؟
الشيخ : لا شيء هناك ، فقط أعجبني صوتك ، فهلا رددت ما كنت تحدو به قبل قليل ؟
شاهر : أبشر بما يسعدك سيدي .
وأخذ يحدو بصوته الطروب الشجي حتى لكأن الشيخ فالح قد غرق في دوامة ذكرياته المؤلمة فأخذ يتنهد تنهدات طويلة شعر شاهر بها فأخذ يردد أغاني الفراق وبعاد الأحباب فأصاب مكمن الداء لدى الشيخ واغرورقت عيني الشيخ وسقط دمعه تتاليا وما هي إلا لحظات حتى علا نحيبه فصمت شاهر وتسللت لعقله فكرة دخيلة حدث نفسه بها : هل يحس هؤلاء مثلنا ، إن من الغريب أن ينتحب من في قلبه قسوة وجبروت ، هل أكون قد أخطأت في تقديري للشيخ ؟ لعل بكاءه فاتحة خير ليسمع مني قصتي فيرأف بي ويطلق سراحي ولكن هل تراه يفعل ؟ وأوشك أن يتكلم بما يجول في نفسه لولا أن رأى أن من الأفضل أن يخفف من حزن سيده فقال : هون على نفسك يا سيدي فما من أحد يستحق دموعك الغالية .
لكن الشيخ أشاح بوجهه تاركا المكان وترك وراءه أيضا شاهر غارق في حيرته حتى شحمة أذنيه .




shaher غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس