عرض مشاركة واحدة
قديم 06-11-2006, 08:09 PM   #5 (permalink)

shaher

عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher
 






معدل تقييم المستوى: 3
shaher has a little shameless behaviour in the past
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher

علم الدولة: علم الدولة
 

My SMS

افتراضي

-3-
ومع مرور الأيام ازداد إعجاب الشيخ فالح بشاهر فهو في كل يوم يكتشف به موهبة جديدة فهو شادي وعنائي بارع وقاص مفوه وشديد البنية قوي البأس ينجز ما أمر به من عمل بتفان وإتقان دون كسل أو ملل .
وفي ليلة من الليالي كان لدى الشيخ فالح ضيوف من قرية مجاورة وبعد وليمة دسمة أحب الشيخ أن يتباهى بعبده الجديد شاهر فقدمه لضيوفه وأخذ يعدد خصاله ومواهبه فطلب منه الضيوف أن يقص قصة من قصصه التي يتباهى بها سيده ففعل ذلك وكان جالسا بقرب النار والدلال متصرفا كعبد متفان في الطاعة والخدمة وكان بين فترة وأخرى يقوم من مكانه ليقدم القهوة للحاضرين ثم يعود ليكمل بقية ما بدأ ، ولقد قص قصة رائعة بأسلوب جميل ولهجة قويمة سليمة من التحريف والتكليف ، حتى إذا انتهى من قصته أثنى عليه الجميع دون استثناء ثم طلب منه الشيخ فالح أن يحدو قائلا : أبهج قلوبنا بحدائك فنحن في شوق ولهفة لسماع صوتك العذب .
ففعل عن طيب خاطر ، واخذوا يتمايلون كأنهم أغصان غضة تهزها رياح عاتية ، وسكروا وانتشوا من حلاوة صوته وعذوبة لحنه الرخيم الذي دغدغ أفئدتهم وسلب عقولهم ، فكأنهم ثملا لا يعقلون أو أنهم غفاة حالمون ، وأراد أن تحن قلوبهم وتنكسر أفئدتهم ويصحون من غفلة باتت تغشى وجوههم وقست بها قلوبهم فشرع في حداء مؤثر عن فراق الديار والأحباب فرأى ما كان ينشده من قوة التأثر والانتباه وتعالت الآهات والزفرات وتهد الجميع واغرورقت العيون والتمعت على ضوء مصباح الزيت المعلق على سقف كوخ تراءى له أنه لا ينتهي لكبره وإظلام أطرافه وأركانه ، لكنه هذه المرة أصاب مكمن داءه هو فغلبه شوقه وحنينه لدياره وأهله وأحبابه وخص بذكراه أمه حبيبة التي عنت كثيرا لفراقه وتذكر أيام صباه بحلاوتها ومرها فالتمعت عيناه وتقطع صوت حداءه ثم ما لبث قليلا حتى كف عن الحداء لينتحب بمرارة أزعجت مستمعيه وأبوا أن يشنف مسامعهم بجهيشه المتقطع فقال أحدهم : بالله عليك – لا تقلب علينا المواجع ففينا ما يكفينا ؟
وأذن له بالانصراف ففعل ومازال دمعه يجري متدفقا بذكريات آلمته كثيرا كاد أن ينساها من زحمة تتابع الأحداث التي عصفت به ، ثم تنبه للضيوف القساة الذين لم يكلفوا أنفسهم سؤاله عن ما يبكيه وآلمه حال الدنيا التي تراءت له كغابة لا مكان للضعيف فيها ، فحدث نفسه قائلا : إنهم أوغاد قذرون لا يعرفون رحمة أو شفقة ، يرون أنفسهم أسود ونحن نعاج نؤخذ على حين غرة ، والله لأن فك قيدي لاستل سيفا أطهر به الأرض من أمثالهم .
أما في الخيمة فقد سأل الضيوف الشيخ فالح إن كان ينوي بيعه فأجاب بالنفي الجازم ، فشكروه على كرمه وحسن ضيافته ودعوا له بالبركة في المال والولد وجهزت خيولهم فانصرفوا منشرحين بما رأوا من أمر العبد الجديد لمضيفهم الكريم ، لكن أحدهم ويدعى مالك بن ضرغام قال : ألم تلاحظوا شيئا غريبا في العبد ؟
رد عليه أحدهم : بلا إن كنت تقصد عن كبر عينيه واتساعها التي تنم عن شجاعة وإقدام عربي أصيل .
قال مالك : ألم تلحظوا لهجته السوية السلسة دون تكلف وعناء وكأنه عربي من الجمل والناقة ؟
فقال آخر : لعله ولد في بيت عربي من جارية لأب عربي أبى أن يعترف به أو فضل بيعه .
وأصر الجميع على ذلك القول إلا مالك الذي قال : إن في الأمر سر ولابد من فك رموزه وطلاسمه .
فأجابه أحدهم : أراك قد نصبت نفسك بحمل هموم عبد يا مالك ، أما لديك أمر يشغلك غير هذا ؟
مالك : أما كان لعبد مطيع مثله أن يكون طليقا كبقية أقرانه العبيد فما بال الشيخ يبقيه في أصفاده وهو المحبب والمقرب له ؟ أيخشى أن يهرب وهو كما رأيتم من أمر طاعته وولاءه واعترافه بعبوديته في خضوعه وانكساره ؟ إن في الأمر سر وإلا لم كان بكاءه الذي غلبه أثناء حداءه بتذكر الأهل والأوطان ؟
فقال أحدهم لم يشارك برأي من قبل : على رسلك يا مالك فالعبيد الجدد يكونون عصاة متمردون ولا يذعنون حتى تلهب ظهورهم بالسياط وإلا لما قيل المثل المعروف ( لا تشتري العبد إلا والعصا معه ) .
وعلا ضحكهم الذي تفجر في صمت بيداء وليل حالك وتلاشت بعد برهة أصواتهم خلف ظلام مطبق غيب أثرهم كأشباح تنفض غبار أردية من خوف وجزع وسكون ووحشة قفار شاسعة تخضبت بأديم سواد بهيم غامض وتنذر بشؤم المكان والزمان .




shaher غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس