عرض مشاركة واحدة
قديم 07-11-2006, 04:32 PM   #8 (permalink)

shaher

عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher
 






معدل تقييم المستوى: 3
shaher has a little shameless behaviour in the past
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher

علم الدولة: علم الدولة
 

My SMS

افتراضي

-4-
بعد شهور عدة حاز شاهر على ثقة سيده وحبه الجم فهو المفضل إليه من بين كل عبيده يتباهى به بين زائريه وضيوفه وأنس الناس إليه وألفوه وذاع صيته بينهم بل تعدى صيته للقرى المجاورة وأخذ الناس يتحدثون بقصصه ويتغنون بأشعاره وحداءه ففك الشيخ وثاقه لكنه أمر العبيد بمراقبته مراقبة لصيقة ليلا ونهارا فإن رأوا منه عزم على الفرار أعادوا وثاقه وضربه وتأديبه من جديد ، لكن شاهر بدماثة خلقه الطبيعي الغير المصطنع أسر الجميع حرا وعبدا فعامل العبيد برحمة ورأفة غير معهودة من قبل فساعد كبيرهم ورأف بصغيرهم فأحبه الجميع دون استثناء من كان لسيده ومن كان لغيره ، وفي أوقات الفراغ يتحلقون من حوله فيقص عليهم القصص ويحدوا لهم الحداء فيطربهم ويدخل السرور إلى قلوبهم المكسورة ويجلي عنهم بعضا من الضيم الذي أحل لعنة على العبيد الذين لم يخلقوا عبيدا لكنه ظلم الإنسان لأخيه الإنسان في دنيا كغابة موحشة نذرت الحياة للأقوياء والبؤس والشؤم والشقاء وكدح العيش وفقدان الكرامة للضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة .
ومازال شاهر على عهده حتى يأتيهم ما يشغلهم فينصرفون عنه مجبرين كارهين على أمل لقياه ليستزيدوا بما يجود عليهم من الفرح والسرور والضحكة البريئة التي قلما يجدوها لكثرة انشغالهم بخدمة الأسياد وتلبية طلباتهم وأوامرهم التي لا تنتهي .
وبعد فترة ليست بالوجيزة خفت عنه المراقبة شيئا فشيئا حتى انعدمت كليا واطمأن الجميع إليه بما فيهم سيده الذي وهبه حبا جما لم يهبه عبد من قبل ، حتى أن شاهر لكان يستطيع الفرار في وضح النهار لكنه أرجأ ذلك لفرصة أفضل ووقت أجمل وأعد للفرار عدته وجهز صرته ووضع بها طعام وملبس ودسها تحت علف كثيف في إسطبل الخيل وعندما أزف وقت الرحيل في ليلة شديدة الحلكة لم يبن في سماءها لا قمر ولا نجم لشدة كثافة الضباب الذي زاد الليل حلكة وسواد ، وكان في هجوع الليل الأخير حينما خيم سكون مطبق لا يسمع فيه حسا ولا همسا ، وعندما تأكد شاهر من نوم أهل القرية جمعاء واستغراقهم في أحلامهم تسلل لمهجع الشيخ فالح في الكوخ الذي تعود أن ينام فيه منفردا رغم أن له أربع زوجات كل واحدة تسكن في كوخ وكان يتسلل بخفة ماشيا على أطراف أصابعه يرقب دقات قلبه وتفصد جبينه وارتعاش أطرافه فقد جاءه هذا الإحساس من قبل إحساس الموت أو دنوه ولكن لم يستطع تذكره لضيق المقام واقتضاء الحال وتوجه نحو سيف علق على سارية الكوخ تناوله بحذر ولفه على خاصرته بحذر ، وهم أن ينتزعه ويغمده في صدر الشيخ لولا أن استغفر متفكرا : ما ذنبه لقد خدع كما خدعت ثم أنني لم اخلق لأكون في الأرض جبارا ، وهذا السيف لم آخذه لحماية نفسي مما قد يهاجمني من لصوص وقطاع طرق فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين . وصارع نفسه الأمارة بالسوء فتغلب عليها بإيمان صادق وحب للإنسانية جمعاء والتي كانت سبب تعاسته وشقاءه ، وهم أن يخرج من الكوخ فرأى عباءة وثوبا معلقين على يمين الباب فمد يده وتناولها محدثا نفسه قائلا : ألا استحق مكافأة لعدم قتلي للشيخ ؟ ألا استحق شيئا مقابل خدمتي له كل هذه الأشهر مجانا ؟ بلا أستحق . ، ووضعها على كتفه وفتح الباب ليخرج مقدما قدما واحدة ثم توقف وأحس ببرودة أطرافه وسريان القشعريرة في جسده من أشعث رأسه لأخمص قدميه وتفصد العرق من جبينه وشعر بافتضاح أمره فقد أدرك أن يدا تمسك بطرف العباءة وخشي الالتفات وأغمض عينيه وأراد ازدراد ريقه فوجد حلقه قد جف تماما وهم بأن يستل السيف فيغمده في جوف من يمسك به من الخلف ، ومد يده فأمسك بعروة السيف وتأهب للانقضاض وأدار وجهه للخلف ببطء شديد ، فلم ير شيئا بل ما كان هنالك من أحد غير الشيخ النائم على سريره تفحص طرف العباءة فوجده عالقا بالباب فسرى دفء خفيف لقلبه ومد يده فحرر العباءة مبتسما هازئا من نفسه ومن الخوف وخرج من الكوخ متوجها نحو الإسطبل أختار خيلا تعهده من قبل بالنظافة والطعام حتى لا يجفل منه ، فمسح على عنقه ورأسه قائلا في نفسه : حان لي أن أضفر بشيء من خيلائك أيها الجامح الجسور ، وشم الخيل شاهر كأنه يتعرف عليه ففك شاهر حبله وسرجه بسرج علق على عمود جانبي وسحبه بهدوء لخارج الإسطبل وابتعد عن أكواخ القرية بهدوء دون أن يشعر به أحد .
وعندما ابتعد عن القرية مسافة غير قليلة ركب على ظهر الخيل ووكزه فجرى الخيل وأخذ يعدو بسرعة وكلما حثه شاهر لزيادة سرعته زادها مطلقا سيقانه للريح وشق طريقه بين ضباب كثيف وحلكة دامسة لا يعرف التردد وكأنه خلق بلا قلب أو عينين ، إلا أن شاهر أحس بوحشة القفار وخاف من إطباق الظلمة والضباب لكنه خوفا غريزيا ما لبث أن تلاشى عندما تفكر إن افتضح أمره فلابد من ملاحق يلاحقه ، ولا شك إن لحق زج من جديد في أغلال الرق وذل الاستعباد ، وعاود صفع خيله فزاد الخيل من عدوه وكأنه يتحداه في غمرة ونشوة وبسالة فذة وعزيمة لا يهدها ظلام دامس ولا ضباب متكاثف ، فازداد خفقان قلب شاهر لطريق غامضة لا يعرف كنهها وقدرها المجهول وتداركته أفكار خائفة ، فقال في نفسه : كيف لو هاجمتنا ذئاب نهمة أو سباع جائعة ؟ ، أو سقطنا في هوة سحيقة ؟ ، أو اصطدمنا بصخرة كبيرة ؟ .
فسلم بإيمان صادق قائلا : كله بأمر الله ، اللهم النجاة ، النجاة ، اللهم سلم ، سلم ، وتوكل على الله آملا مرتجيا فهو ملاذه ومنتهاه ، وما زال كذلك حتى انبلج أو نور بين سديم الضباب ليعلن مقدم صباح مشرق بالحرية التي انتظرها شهورا وتبدت الأبخرة العالقة كأنها تودع المساء وتأبى على نفسها معانقة الصباح ، وبان أول شعاع للشمس تجلو بيارق الليل الآفلة وترسل خيوطا ذهبية من خلف جبال السروات الشامخة كأنها تردد لحنا يعزف للخلود وبقاء الأقوى . فتبادرت في ذهنه أفكار شيطانية فقال يحدث نفسه : لم لا أكون الأقوى ، كيف رضيت بالضعف خليلا ؟ والضعف من سمة الجبناء ، والجبناء لا يستحقون العيش ، ما كنت يوما جبانا ولن أكن أبدا ، ولقد وهبني الله بسطة في الطول والجسم ، فلماذا لا أستغلها وأثبت شجاعتي ؟ ، لقد عشت حياتي بين ذل وفقدان كرامة ، ثم طريدا شريدا ، فلم كل هذا ؟ لم لا تتجاوز الدنيا عني ؟ لماذا يعاملني الناس محتقر وما كأنني من البشر ؟ أيرضون بجبار يقطع طريقهم ويزهق أرواحهم ؟ أم يرضون بي هاربا كسبع يفر من النور والنار ؟ أيرضون بي راهب بصومعة ؟ أم عبد مسلوب الذات والإرادة ؟ أما والله لقد احترت في أمر البشر ، وما عدت قادرا بين تمييز الخبيث منهم والطيب ، فما عرفت شخصا ودودا حتى انقلب أشر خلق الله وأشرسهم ، يعجبني منهم ظاهر القول فاخدع ، فمن منا على صواب أو خطأ ؟ هل أكون مصيبا في تقديري للبشر ؟ أم أنهم يرون مني مالا أراه وأحس به ؟ أأنا السبب أم هم ؟ أم أن الدنيا قد نصبت عدائها لي ؟ فقد غدرت بي بطفولة بائسة وشباب هارب ؟ وردد أهات ساخنة متألمة ثم قال في جوفه : متى تتجاوز عني الدنيا بفعالها ؟ فأعيش مرتاحا من نظرة احتقار للون بشرتي ، سامح الله البشر يريدون حياة الغاب ، ولا يكتفون ، فهم لا يرحمون ولا يستريحون ، أكل من كان لونه أسود استحق الذل والرق ؟ وإن كان حر ابن حر ؟ أما أنا فلن أرضى بالرق والعبودية إلا لله خالقي ومنشأي ولو قاتلت الخليقة جمعاء .
وغيبته مرارة تخيم على قلبه وأسئلة حائرة جثمت في عقله ومناجاة نفسه عن إشراق شمس ذهبية تلألأت بالوادي الشاسع فبعثت دفئا حميما حالما فأيقظ الطيور والدواب والبشر وتساقط الندى من أوراق الشجر وسرت عطورا ضمت الوادي بشذاها وأغرقت الأرض بسناها وصدحت البلابل بتغريدها فتجلى صداها يتردد بأركان الوادي والجبال الشامخة تبارز الوجود وتعلن الصمود فتتحاضن السحاب وتعلو لتسمو ، وعندها تذاكر مبادئه وتربيته والتعاليم المستوحاة من الدين وأعراف العرب تذكر أخلاق والده وأمه وشيم قبيلته فطرد الأفكار الشيطانية ونفض غار ترهاتها وودع التساؤلات الضالة والإستفهامات الجاهلة ، وركن للتسبيح والتهليل ، فصفت نفسه وراق باله وعظم الإله خالق الجبال والتراب والسماء والدواب والبشر وقام فتوضأ وصلى ركعتين ثم أردفها بأخريين فدبت في نفسه سكينة بعد ليلة حفتها المخاطر والمكاره ، وفاق من غفلة المكان فعرف أنه كان يسير في طريق مجهول لا يعرف كنهه أو عاقبته ، ونظر للخيل بعين مشفق وربت على رقبته مخاطبا : لقد اتعبتك ، أليس كذلك ؟ لكنه الحال يا صديقي ، وإني لأرجو أن أكون أرأف عليك من سيدك ، ونظر في الأفق البعيد فرأى خيال بئر بعيد تراءى له كسراب عطشان فتوجه نحوه ولما اقترب منه أيقن به يقينا جازما ، فأدلى دلوه فاستسقى وسقى الخيل اللاهث المتعب ، وقطف بعض الحشائش المنزوية بين حجارة البئر ومدها للخيل الذي ألتهمها بامتنان ، ثم تابع عدوه فارا لا يألوا جهدا لذلك ولا يعرف أي طريق يسلك سوى الوادي الذي خيل إليه أنه لا ينتهي ، وقضى كل النهار يسير خاوي البطن منهك القوى حتى أفلت الشمس لمغيبها وأدركه الليل وهو ببطن الوادي فنزل وأناخ خيله ، ورأى أنه لابد من إشعال النار ليحتمي بوهجها انقضاض ذئاب نهمة أو سباع جائعة قد تجد فيه وخيله فريسة دسمة .
وبات ليلة في العراء يعزي النفس بالحداء حتى غلبه النعاس يطوي الجوع بطنه والعطش فاه ، لكنه أحب إليه من الاستعباد ولا ضير من جوع ليلة فقد دسم من موائد الشيخ فالح ، الذي بدا له كريما على قدر ما كان يراه كريها .




shaher غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس