عرض مشاركة واحدة
قديم 10-11-2006, 04:04 PM   #12 (permalink)

shaher

عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher
 






معدل تقييم المستوى: 3
shaher has a little shameless behaviour in the past
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher

علم الدولة: علم الدولة
 

My SMS

افتراضي

-5-
وفي هجوع الليل الأخير جفل الخيل ونهض واقفا وركل بحوافره الأرض فانتبه شاهر من رقاده ووجد النار قد خبت وهجها وأوشكت بالزوال ، قام مسرعا وقذف فيها الحطب ثم انحنى إليها نفخ فيها حتى اظرمت من جديد وما كاد يرفع رأسه حتى سمع همهمات وتردد أنفاس من حوله رفع ناظريه وتلفت حوله فرأى خيالا نهما وأنيابا بارزة فعلم بالشر المحدق .
والتمعت أعين في الظلام تعكس وهج النار ، كأنها أشباح تسربلت بالسواد وتسلل الخوف إلى قلبه وشخص بصره وارتعدت أطرافه وحملق حوله فرأى أسرابا وقطعانا من الذئاب جاثمة عن قرب وقد تحلقت حوله وخيله تطلب عشائها بعيون حمئة مسمومة وأنياب نهمة تنتظر خبوت وهج النار لتنقض فيتلاشى هو وخيله في أحشائها ، لكنه قد أعد لهذا الأمر عدته سلفا فقد جمع حطبا يكفيه لليلتين .
وحمل قبسا بيسراه واستل سيفه بيمينه وظل يرقب الموقف بعيون زائغة وقلب واجف وأعصاب متوترة فلا الذئاب جازعة من صبر انتظار ولا هو غافل عنها لمحة عين وتركزت للحظة عينه بعين خيله فرأى بها خوفا مطبقا وسكينة الموت تغشاها لكنه أيضا لم يجزع فقد تحلى بصبر وثبات من يعرف مصيره فاستسلم للقدر المر ، ربت على رقبته ومسح عليها ثم طوق عنقه بذراعه ولثمه ووقع نظره للجهة الأخرى خلف الخيل فرأى طيف ذئب جسور مل الانتظار ويحاول الاقتراب مترددا فأيقن بالهلاك ، وتصرف بسرعة فأشعل نارا أخرى من الجهة الأخرى فتحاصر هو وخيله بالنار من جهتين وظل يوزع الحطب على النارين في خوف ورهبة ، ورغبة أكيدة في العيش ولو ليوم آخر .
طال الانتظار وتزايدت الوفود الجائعة مكشرة عن أنياب نهمة خالها شاهر تقطع كل شيء حتى الحديد ، لكن لابد من الصبر فالفرج قريب والفجر لابد أن يخرج عما قريب لينقذ الموقف هكذا قال لنفسه المضطربة القلقة ، وأحس بمرارة الصبر وطول الانتظار وجزع لصبر الذئاب الجائعة بل تعجب من إصرارها وطول صبرها تناظره بعيون لا تعرف اليأس وتلعق أنيابها فيقطر منها لعبا يقززه ويزيد من شهيتها وإصرارها ، وفجأة رأى بعينيه الحائرتين ذئبا جسورا آخر وكأنه بدأ بنفاذ صبره فترقبه مليا ورصد خطواته المترددة قال في نفسه : إن لم يخش هذا الذئب النار فما تراه يخشى ؟
وكره الانتظار والذئاب والدنيا بأسرها وقال محدثا نفسه : أأموت مثل شاة في فم ذئب ؟ إن البقاء للأقوى لا للأضعف ، وإن كان الأفضل ، ولو أن للنعاج مخالب وأنياب لما هاجمتها الذئاب .
ومازال ذئبه الجسور يتقدم قليلا ثم يعود أدراجه وكأنه قرأ ما في قلب شاهر فيتحين فرصة غفلة ، ثم وبدون سابق إنذار هجم الذئب إلى ناحية الخيل بسرعة برق خاطف فاتحا فاه الضخم الذي خيل لشاهر أنه سيبتلعه وخيله في لقمة واحدة ، وكاد الذئب أن ينشب أنيابه في مؤخرة الخيل ، لكن شاهر كان له بالمرصاد فرفع سيفه بسرعة فوق رأسه وهوى بها على رأس الذئب بقوة فشرم أنفه ثم عالجه بضربة أخرى فصل بها رأس الذئب عن جسده ، تلفت شاهر حوله خائفا مذهولا متراجعا للخلف حتى كاد أن يطأ إحدى النارين وأحس بلفحتها على ساقه فانتبه ، وقلب بصره حوله خائفا من ردة فعل الذئاب فبدا أنها لم تتعظ وأصبح إصرارها أكبر ، وبحث تحت قدميه عن رأس الذئب المسجى الذي نزع عن جسده ، فلما وجده حمله بإحدى أذنيه ولوح به أماما ثم للخلف ثم ألقاه بعيدا عنه لناحية الذئاب الجاثمة حينها تراجع للوراء قليلا الذئاب التي في المقدمة ، ثم تقدم ذئب منهم بحذر وبدا أنه يلثم رأس الذئب القتيل وشمه ثم ابتعد عنه رافعا رأسه نحو شاهر وثبت عينيه بعيني شاهر فأحس شاهر ببرودة وارتعاشة سرت في أطرافه ودبت في نفسه مخاوف انتقام الذئاب لصديقهم غير آبهين بالنار ولا بالسيف ، وفجأة رفع الذئب رأسه عاليا وعوى بصوت مدوي هز أرجاء المكان وتمكن هذه المرة الخوف بشدة من قلب شاهر وعقله وأحس ببرودة بانسياب العرق بين قدميه ، ثم عوت بقية الذئاب وتعالى عوائها كنذير شؤم وتخبط الخيل وتخبط شاهر نفسه يقلب ناظريه ويدور حول نفسه وأوشك أن يقع على النار مرة أو مرتين فكان الصوت مجلجلا مرعبا تردد في الظلام كصيحات موت ومنظر الذئاب كأشباح جاثمة بحراب الموت المدقع ، ثم ما لبث قليلا في تخبطه حتى رأى الجموع المغادرة قال في نفسه : ما هذا ؟ أهي مناورة جديدة ؟ وتلفت من حوله فرأى فلول الذئاب تنسحب من أرض المعركة وتابع بناظريه آخر ذهب منهزم فأحس بارتياح طفيف ثم عاوده قلقه فانتظر قليلا مرتقبا ومحدثا نفسه : لعلها تناور متظاهرة بالانسحاب فتهجم هجمة واحدة فتأخذنا على حين غرة ، ونظر لعيني خيله فرأى بها الارتياح فصدق شعور خيله قائلا في نفسه : لو كان للذئاب وجود لعلم الخيل بهم عن بعد ولما سكنت نفسه بهذا الشكل المريح لكنه ظل واقفا يرقب المكان من حوله حتى طلع أول بشير نور للصباح فخر ساجدا لله سجود شكر للنجاة .




shaher غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس