-6-
لفحت شمس الظهيرة بأشعتها المحرقة كل شيء حتى رأس شاهر الذي بدا وكأن دماغه يغلي وكان في إعياء شديد وألم به جوع وعطش أوشك أن يفتك به ، وخيله يمشي الهويداء لا تبجحا ولا خيلاء لكنه كان متعبا أيضا ، ورأى شاهر من بعيد خيال ماء علم من الوهلة الأولى أنه سراب ، وتابع الخيل مسيره على طول الوادي العريض الذي بدا وكأنه سهل منبسط ليس له بداية أو نهاية وأخيرا بصر خيالا من بعيد حدق به فإذا هو خيال شجرة فتوجه نحوها وتمدد تحتها لينعم بقليل من الظل والراحة وغلبه النعاس فغط في نومة مجهد متعب أفاق منها على نداء سمعه كالحلم الآتي من بعيد : يا أخ العرب ، يا أخ العرب .
وما كاد يفتح عينيه حتى رأى فوق رأسه أربعة خيول يمتطيها على ثلاثة منها ثلاثة شبان وسيمين والخيل الرابع يمتطيه رجل مسن على وجهه الوقار فرك عينيه بيديه وحملق من جديد فعلم بفراسته أن الشباب أخوة والمسن أبوهم ، استوى في جلسته وقال : ماء أرجوكم أريد ماء ؟
فترجل المسن وترجل أبناءه من بعده وناوله المسن قربة ماء فأخذها شاهر بامتنان وانهال يشرب منها نهما فبادره المسن : لا تكثر وإلا هلكت ؟
فلم يكثر شاهر عملا بنصيحة المسن الذي أردف : أتسمح لنا أن نستظل معك بهذه الشجرة ؟
فقال موسعا في المكان : تفضلوا على الرحب والسعة .
فلما استووا متربعين قال المسن : من أين أنت ؟
شاهر : من قرية الشيخ مذكور .
المسن : وأنعم بك وبالشيخ مذكور .
شاهر : أو تعرفه يا سيدي ؟
المسن : كيف لا ، وهو من أعز أصدقائي .
شاهر : أنا ابنه ، شاهر .
المسن : شاهر ! يا مرحبا برائحة الأحباب ووقف قائلا : قم لأعانقك .
وتعانقا وثم عانق شاهر أبناء المسن بمودة بالغة .
ثم قال : فمن أنت يا .. سيدي ؟
المسن : أنا ( زاهد بن خيطان ) ، وهؤلاء أبنائي وهذا هو الأكبر واسمه ( نظير ) وهذا الأوسط واسمه ( أحمد ) وهذا أصغرهم واسمه ( منصور ) .
شاهر : وأنعم بكم جميعا .
الشيخ زاهد : ولكن أخبرني .. إلى أين وجهتك يا بني ؟
شاهر : ليس لي وجهة محددة .
الشيخ : تتجول هكذا في أرض الله بلا وجهة أو هدف .
شاهر : بلا لي هدف ، أحب أن أحتفظ به لنفسي .
الشيخ : لا بأس ، فأخبرني عن حال والدك ؟
شاهر : أظن أنه بخير .
الشيخ : تظن !
شاهر متلعثما : في الحقيقة لم أره منذ أعوام .
الشيخ : لعل المانع خير ؟
شاهر : نعم خير ولكنها مسألة بسيطة عالقة منعتني من رؤية أهلي سأخبرك بها فيما بعد فالطريق طويلة إن أردتم صحبتي لأؤنس بكم فتزول عني مشقة الطريق .
الشيخ : كلا .. فالطريق أقرب مما تتصور ، فقريتنا خلف ذاك التل وسوف يسعدنا نزولك عندنا ضيفا عزيزا على قلوبنا .
شاهر : قبلت دعوتكم ، لكن لن أطيل البقاء .
الشيخ : سنتكلم عن هذا الأمر فيما بعد ، أما الآن فهيا بنا .
في مجلس الشيخ زاهد المكون من سقيفة كبيرة تراصت على جوانبه أرائك خشبية امتلأت بأعيان القرية ووجهائها الذين دعاهم الشيخ على وليمة بشرف نزول شاهر ضيفا عليه ، وكان ثلة من عبيد الشيخ يحضرون المائدة المكونة من سويك ولحم وضع في صحاف كبيرة وضعت على أرضية المجلس على أبسطة السعف ونزل الحضور من الأرائك وتحلقوا حول الصحاف وتناوبت أيديهم وبينما كان شاهر يهم بزج لقمة لفمه إذ بصر برجل وجهه مألوف له ، حاول أن يتذكر المكان الذي رآه فيه لكنه نسي تماما أين رآه ، وحملق بوجهه يريد تذكر أي شيء يدل على الرجل الذي كان مشغولا بلقم كبيرة يحشوها في فمه حشوا دون تهذيب ، في تلك الأثناء أنتبه الشيخ زاهد لنظرة شاهر نحو الرجل وكان الشيخ وأبناءه واقفين خلفهم ممسكين بأباريق الماء والأقداح ينتظرون من يطلب الماء من الضيوف ، فناول الشيخ الإبريق والقدح الذي بيديه لغلام من غلمانه وخرج من السقيفة وحضر غلام آخر اقترب من نظير ابن الشيخ زاهد وأسر له بكلمات فناوله الآخر القدح والإبريق وخرج أيضا من السقيفة لاحقا والده ، وبجانب عشة من أعشاش الدار وقف نظير أمام والده الذي بادره قائلا : متى عاد أبني عمك للقرية ؟
نظير : لا أعلم بالتحديد يا أبي فهما ليس لهما وقت محدد بالمغادرة والرجوع .
الشيخ : أتعلم من دعا دكوان للوليمة ؟
نظير : مثله لا ينتظر دعوة كما تعلم .
الشيخ : بعد أن يفرغ من غداءه خذه بعيدا من هنا .
نظير : سمعا وطاعة يا أبي .