-8-
فضحك القوم مقهقهين مجددا وشاركهم شاهر بالضحك مقهقها هذه المرة فقد أدخلت القصص السرور لقلبه المكسور .
بعد أن انفض المجلس وغادر المدعوون لم يبقى في المجلس إلا شاهر الذي تركه الشيخ وأبناءه لينعم بقيلولة قصيرة قبيل صلاة العصر ، وحضر خادم من غلمان الشيخ زاهد وجلس على الأرض من طرف المجلس قال له شاهر : ما يجلسك على الأرض .
قال الغلام : أنا هنا لخدمتك إن احتجت لشيء ما .
شاهر : أدنو واجلس على الأريكة .
فاقترب الغلام وجلس على أريكة قريبة من أريكة شاهر الذي سأله : ما اسمك ؟
الغلام : خضر يا سيدي .
شاهر : كيف تجد أسيادك يا خضر ؟
خضر : هم أهلي يا سيدي .
شاهر متعجبا : وكيف ذاك ؟
خضر : إن عمي الشيخ زاهد أعتق جميع مواليه ويعاملنا كأبنائه .
شاهر : الشيخ رجل عجيب .
خضر : بل هو قلما تجد مثله هذه الأيام يا سيدي .
شاهر : رأيت ولمست كرمه وخلقه وتواضعه .
خضر : بل هو صفاته أكثر من ذلك .
شاهر : ألا تحدثني عنه يا خضر ، فأنا بالكاد أعرفه .
خضر : حاضر يا سيدي ، لكن قد يطول الكلام عن عمي الشيخ وأنت كما علمت قادم من سفر طويل ويحتج جسمك الراحة .
شاهر : يا خضر ، ليس في الدنيا راحة بل خلق الإنسان فيها في كبد ، وما الراحة إلا في الآخرة ، ثم إن اشتياقي لمعرفة خصال الشيخ لهو أشد من حاجة جسد يزول ويفنى للراحة .
خضر : كما تحب يا سيدي ، إن عمي الشيخ هو سيد هذه القرية وكبيرها ، وهو كما ترى فاحش الثراء واسع النعمة – قل ما شاء الله – يا سيدي .
شاهر : ما شاء الله تبارك الله ، اللهم زده ولا تنقصه .
تابع خضر : وهو ينفق بسخاء على من يعول ، وإنه ليعول أرامل القرية وأيتامها وفقراءها المعوزون ويكرم الضيف وابن السبيل ويخرج بنفسه يبحث عن أبناء السبيل ليضيفهم ويهون عنهم وعثاء سفرهم .
شاهر : وماذا عن تعامله ؟
خضر : هو رجل متدين ، يخشى الله ويتقيه ، وهو قاض يحكم بين الناس بكتاب الله وسنة نبيه ووهبه الله حكمة في القول والرأي فيأتيه شيوخ القبائل من شتى القرى يطلبون مشورته ونصحه ثم إنه عالم بالأثر والأنساب ، ومع كل ذلك وهبه الله تواضعا فريدا فهو يوقر الكبير ويحترم الصغير ولا يسفه قول الجاهل ، والحق أنه محبوب من الجميع كيف لا وهو يحن على الضعفاء ويأخذ لهم من الأقوياء .
شاهر : أو تحبونه أنتم غلمانه ومواليه .
خضر : لم نعد مواليه كما أسلفت لك ذكره ، نحن أهله ومثل أبناءه تماما ، وكيف لا نحبه بل إن الجميع يحبه وأنا أكن له حبا خاصا ، فقد مرضت يوما بالحمى فألزمتني الفراش ، فطببني بنفسه وسهر بجانبي حتى تماثلت للشفاء ، ولم أكن بذلك لأنني كنت في غيبوبة الحمى أهذي لكن عندما شفيت أخبرني رفاقي بذلك ، فذهبت إليه أشكره على صنيعه معي فرد علي قائلا : يا بني ، ما فعلته واجب علي وليس منة تمننت عليك بها ، وإن لأم أقم بما أقوم به من رعاية ونفقه فالله سوف يحاسبني على تقصيري ، يا بني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته ) وأنتم رعيتي لا أفرق بينكم وبين أبنائي من صلبي بحول الله وقوته .
تهد شاهر ثم قال : وكيف تجدون معاملة أهله وأبناءه ؟
خضر : أبناءه حذو حذوه ، ونساءه نخدمهم من وراء حجب ، فعمي الشيخ غيورا جدا ، فلا ندخل أكواخهن نحن الغلمان ولكن يقمن بخدمتهن فتيات الشيخ اللاتي كن جواريه فأعتقهن وزوج الغلمان بهن لكنهن طلبن البقاء عنده لخدمة أزواجه فوافق واشترط لهن أجرا كما لنا أجور .
ولقد سمعت من بعض الغلمان أن زوجة من زوجات الشيخ الأربعة سمعها الشيخ وهي تنتهر فتاتها قائلة لها : جارية وقحة .
فهجرها الشيخ حتى اعتذرت لفتاتها وأعطتها من العطايا ما يكفل أن يتراجع عن هجران الشيخ لها ، ولم أسمع بمثل ذلك الأمر من بعد بل إن الفتيات ليمتدحن أخلاق زوجات الشيخ وكرمهن وحسن ادبهن ، فبارك الله لعمي الشيخ ما رزقه من أهل ومال وولد ، فلقد تجمعت له الدنيا بزينتها ولم يركن لها بل لتجده يوزع على الفقراء فوق حاجتهم ليكفيهم السؤال والفاقة ، وإن في القرية من كان فقيرا معدما لا يجد قوت يومه فصار يملك العبيد والموالي – اللهم لا حسد – وكل ذلك من هبات عمي الشيخ جزاه الله كل خير الجزاء .
شاهر : إنه لحري أن يكون محبوبا على مثل تلك الخصال .
خضر : ألم أقل ذلك من قبل ، فمثله نادر الوجود كيف نحبه نحن غلمانه وهو يطعمنا مما يطعم نفسه وأهله ، ويكسونا مما يكسو نفسه وأهله ، وفوق ذلك نخدمه بأجر ، ويقدم لنا الهبات والعطايا ، إنه عمي الشيخ رجل نادر وحسب ولن تجد مثله مهما بحثت .
شاهر : ولماذا تدعوه عمك الشيخ ؟
خضر : يا سيدي ، هو يكره كلمة ( سيدي ) فقد قال لنا يوما لا سيد ولا مولى إلا الله هو ولينا وإليه المصير ونحن عنده سواء أبيض أو أسود ثم تلا قوله تعالى : ( لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) ، ثم أنه بعد أن قطع قلائدنا وأعتقنا خيرنا فمن يريد الرحيل فهو له ومن أراد البقاء في خدمته فله منه الطعام والكسوة وأجر عامل فاخترنا البقاء في خدمته ثم كما أخبرتك أعتق الجواري وخيرهن فاخترن البقاء وقال لنا : من وجد في نفسه رغبة الزواج زوجته بإحدى الفتيات ، فتقدم كل راغب فزوجه وجعل للفتيات مهورا ، وبنيت لهن الأعشاش .