عرض مشاركة واحدة
قديم 11-11-2006, 08:29 AM   #17 (permalink)

shaher

عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher
 






معدل تقييم المستوى: 3
shaher has a little shameless behaviour in the past
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher

علم الدولة: علم الدولة
 

My SMS

افتراضي

-9-
في كوخ خصص لنوم الضيوف في دار الشيخ زاهد الواسعة المتعددة أكواخها وعششها وكأنها قرية صغيرة ، كان شاهر يستعد للنوم في ليلة حالكة من منتصف الليل ، فتمدد شاهر على السرير وأغمض عينيه لكنه رأى شبحا واقفا يريد الانقضاض عليه بكلتا يديه فتح عينيه وعلم أنه مجرد خيال تراءى له ، فتمتم ببعض التعاويذ واستسلم للنوم وقبيل صلاة الفجر رأى في منامه يدين تمتد نحو عنقه ثم تضغط عليه بقوة شديدة كادت أن تخرج معها روحه فصاح بصوت مكتوم مخنوق واستغاث فلا مغيث أراد أن يقاوم لكنه كان عاجزا تماما ونظر للسماء مستجيرا بالله وفتح بصره فرأى أعمدة سقف الكوخ المتراصة عندها أحس بالنجاة وعلم أنه يحلم لكن اليدين المطبقتين على رقبته لم تنفك تضغط على عنقه بشدة تلفت يمينا ويسارا يريد رؤية هذا الذي يحاول قتله فلم يجد أحدا غيره ثم انتبه وعلم أن يديه هو تضغطان على عنقه فحرر رقبته من يديه وقام مذعورا قائلا : أيعقل أن يقتل المرء نفسه وهو نائم ؟ وأجاب عن نفسه قائلا : الله هو الحق العدل .
وانسابت دمعة حارة من عينية وجلس على السرير متفكرا ، وتذكر أنه رأى صورة في الحلم المزعج والكابوس الرهيب الذي أقلقه من منامه وعرف صاحب الصورة الذي ذكره بخطيئته الكبرى فانساب دمعه يجري وانتحب نحيبا مرا مفجعا ، في تلك الأثناء سمع صوت ينساب لمسامعه يقول : هون على نفسك يابني .
التفت لمصدر الصوت فرأى الشيخ زاهد الذي تابع : لنا رب غفور رحيم يغفر الذنوب ويستر العيوب .
ثم ربت على كتف شاهر بمحبة صادقة ونظر إليه بعين مشفق فأحس شاهر بنفسه تذوب في عيني الشيخ ورأى هالة من نور تشع من وجهه ولحيته ، وأحس بصفاء سريرة الشيخ التي عمرت بالإيمان والتقوى ، وأيقن بما قاله عنه غلامه خضر فأصبح يراه جليا بأم عينيه .
فأردف الشيخ : هون على نفسك يا بني .
شاهر بصوت متهدج : أذنبت يا شيخ ذنبا ، لا أظن أن الله غفره ، فقد أفسد علي حياتي وأقلق مضجعي ، وكدر عيشي وزادي .
الشيخ : إن الله غفار لمن تاب وآمن .
شاهر : لكن خطيئتي تلاحقني أينما حللت وارتحلت .
الشيخ : وإما يزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله .
شاهر : أيغفر الله لي ؟
الشيخ : إن الله لا يغفر إن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، إنه هو الغفور الرحيم .
شاهر : يعلم الله يا شيخ أنني أحببتك فيه حبا خالصا لوجهه الكريم .
الشيخ : أحبك الله كما أحببتني .
شاهر : وإني سمعت عن حكمتك ورجاحة عقلك .
الشيخ : هذا مما علمني ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر .
شاهر : وودت لو تسمع قصتي ، فقد أجد عندك حلا ومخرجا مما أنا فيه .
الشيخ : فليكن بعد الصلاة .
واتجها سويا لمسجد القرية لأداء صلاة الفجر وبعد الصلاة عادا للدار وعندما ولجا للمجلس وجدا غلاما ينتظر قدومهم قد أحضر طبقا به تمرات وثلاث أقداح بها حليب فجلسوا على حصيرة في وسط المجلس وقدم الغلام التمر والحليب وجلس معهم وشرعوا يأكلون من التمرات ويحتسون عليها من أقداح الحليب حتى انتهى الغلام من قدحه فاستأذن بالانصراف فأذن له الشيخ ووجد شاهر الوقت مناسبا لسرد قصته فقال : ألا تود سماع قصتي يا عم ؟
الشيخ : بل إنني في شوق لها .
ثم نظر الشيخ للأرض في استحياء بالغ وتواضع جم وأطرق ليستمع ، فقال شاهر : في الحقيقة يا عم ، لا أعرف كيف أبدأ ؟ لكنني لأرجو الله أن يوفقني في سردها فتفهمها مني وتعي مكنوناتها ، في بادئ الأمر أعود إلى قبل مولدي ، فقد اشترى والدي جارية حسناء كانت بكرا أسمها حبيبة ، وتولع بها جدا ، ولم يفض خاتمها غيره ، وكان قد وقع بها مرارا فهي مما أحل الله له مما ملكت يمينه ، ثم أحل به مرض أقعده عامين طريحا على الفراش ثم شفي ، وعلمت جاريته أنها حملت منه بعد شهر من مرضه ، لكنها لم تخبره بذلك لمرضه والحالة التي هو فيها ، وبعد شهرين إلى ثلاث ظهر على بطنها أثر الحمل فاستدعتها عمتي الحسناء عائشة وقالت لها : من أذن لك بالحمل أيتها الخبيثة ؟
قالت حبيبة : سيدي فقد شرط لعتقي أن أحمل يا سيدتي .
فقالت عمتي عائشة : ومن من هذا الخبيث الذي في بطنك أهو من صاعر زير الجاريات أو من غيره من الموالي ؟
قالت حبيبة : لا لم يمسني غير سيدي ، يا سيدتي .
قالت عائشة : ويحك يا فاجرة ، كيف تجرئين ؟
قالت حبيبة : هو أمر الله يا سيدتي ، وطالما رغب سيدي بابن مني وقد كتب الله له ذلك .
قالت عائشة التي اشتاطت غضبا ، لأنها قد مر على زواجها ثلاثة أعوام لم تنجب خلالها : يا لك من فاجرة ، تودين مقاسمتي في زوجي فتلصقين ابن الزنا هذا ليحمل أسم الشيخ ، قاتلك الله أيتها البغي .
قالت حبيبة : لا والله يا سيدتي ، ما أنا ببغي ولم أكن يوما ما كذلك ، وأقسم بالذي رفع السماء سبعا ووضع الأرض سبعا أنه لم يطأني ويفض خاتمي غير سيدي .
قالت عمتي عائشة : يا لوقاحتك ، وتقسمين .
فقالت حبيبة : لا أقسم إلا بالصدق والحق يا سيدتي .
فازداد غضب عمتي عائشة فقالت بلهجة كأنها الصراخ : لا أود سماع هذا الأمر بعد الآن ، وأقسم بالله إن أخبرت بهذا الأمر غيري لأقتلنك بيدي هاتين وأقتل أبنك بعدك ، أتودين أن تعرفي كيف أقوم بذلك .
ثم بسرعة خاطفة التقطت خنجرا على جدار الكوخ ولفت رقبة حبيبة بذراعها الأيسر ملصقة صدرها بظهر حبيبة ووضعت الخنجر الذي بيدها اليمنى على بطنها وقالت : هكذا ، وبكل سهولة أبغر بطنك فأخرجه وأزهق روحك .
فذعرت حبيبة أيما ذعر وخافت على حملها أيما خوف فتوسلت قائلة : يا سيدتي سأفعل ما يرضيك .
قالت عمتي وهي ما تزال على وضعها : أقسمي بأيمان مغلظ .
فأقسمت حبيبة بأيمان مغلظة .
فنحت عمتي الخنجر وتركت رقبة حبيبة وقالت مهددة متوعدة : وهناك ألف طريقة وطريقة لإزهاق روحك الوقحة ، كأن أدس لك السم في الطعام ، أو أخنقك بيدي وأنت نائمة ، أو أن أرضخ رأسك بصخرة أثناء منامك أو في يقظتك وأنت تعملين بالطحن والعجن ، أو أدفعك في التنور وأنت تخبزين ، أو أن أرسل من يقوم بدفعك في البئر ، وأكون قد قتلتك بيد بغيري ، ألا يا حبيبة الفجور لتفهمي أن هذا السر إن سمعته أذن من هذه الساعة غيري فلا تلومين غير نفسك ، فأنت قريبة مني وسيطالك غضبي وتحل نقمتي ، فاحذري ولقد أعذر من أنذر .
فقالت حبيبة وهي تنتحب : لك ما تشائين يا سيدتي .
فقالت عمتي عائشة : إذا أنت هكذا تعودين لصوابك ، وإن سألك سائل فادعي أنه لعبد من عبيدنا ، أفهمت ما أقول .
قالت حبيبة : نعم يا سيدتي ، فهمت ووعيت كل ما قلت لي .
وسلمت حبيبة بمصيرها ومصير ولدها ورأت أن تنسبه لغير أبيه وآلمها نظرات الناس لها أنها فاجرة بغي ، لكنها كانت واثقة أن الله لا يقبل الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده فالتجأت إليه تبث همومها وشكواها عاصمها ومولاها ، وعندما وضعت حملها أنجبته غلاما أسمر البشرة أفطس الأنف مجعد الشعر ، ولم يكن لأحد أن يدعي غير ما نسبته حبيبة ، فلما سئلت عن والده أجابت : صاعر ، وأقسم صاعر بالله جهد أيمانه أنه لم يطأ حبيبة في حياته فلم يصدقه أحد ، وظل الطفل عشرة أعوام في ظل والده عبدا مملوكا .
وفي يوم من الأيام وكان الطفل في العاشرة من عمره أخذه سيده الشيخ مذكور مرافقا له يحمل بعض أغراضه لحفلة زفاف في قرية قريبة من قريته ، وفي الطريق وجدا كهلا يسكن وحيدا في عشة منعزلة عن الناس من طرف الوادي وعندما رآه الشيخ وكان من المحسنين الذين يحبون فعل الخير والصدقة ناولني دريهمات ورغيف خبز وحفنة تمر وقال : ... وانتبه شاهر أنه أصبح يتحدث عن نفسه .. فتلعثم ثم قال : نعم يا عمي الشيخ أنا ذاك الطفل الذي تربى في بيت والده عبدا دون أن يدري هو أو والده عن الأمر ثم سكت برهة .. وتنهد بعدها فقال الشيخ زاهد : لا عليك يا بني ،، أكمل قصتك .
فتابع شاهر : ناولني دريهمات ورغيف خبز وحفنة تمر وقال : أعطها للناسك واطلب منه الدعاء .
فذهبت ناحية الكهل وقدمت له ما أعطاني سيدي وقلت : أدع لنا أيها الشيخ الجليل .
فتناولها مني ووضعها على حصيرة مفروشة بجانب عشته ثم التفت إلي قائلا : خذني إليه يا بني . وأشار لناحية سيدي .
فأمسكت ذراعه بيدي الغضتين وعاونته على النهوض وقدته لسيدي وعندما مثلنا بين يديه ، قام الكهل يدعوا لسيدي بالصلاح والطهر ومغفرة الرب ، ثم دعا له بالبركة في المال والولد ، وقال : أتسمح لي يا سيدي .
قال سيدي : تفضل ما تريد ؟
قال الكهل : ناولني يدك يا سيدي ؟
فناوله سيدي يده وهو يقول : أو تقرأ الكف ؟
فهز الكهل رأسه بالإيجاب ثم قال : لك من العمر المديد ، والمال الوفير ، وابنان أحدهما شرير ، والآخر غرير فرار كرار .
ثم التفت إلي قائلا : هات يدك ؟
فناولته يدي فتحسس راحتها ثم قال : ستعيش في عناء قد يطول ، وتجول في أرض الله وتصول ، تعلو لمراتب الشرف ثم تهوي ، تصارع الموت الأكيد ولا تموت ، وينقذك من الموت من قتلته ، لا تهنأ بسيادة حتى تعرف التوبة والإنابة ، تنهب منك سيادة أرضك فيسيدك عليهم آخرون ، ستعلو يا بني رغم الأسى ، وتتسيد رغم الذل والعار ، عدوك عضدك ، وأصدقائك الأعداء من حولك .
ثم التفت لسيدي وقال : لا تهنأ بابنك هذا أبدا بعد حين ، وعدوه في بيتك فأخرجه .
فقال سيدي : عفوا أيها الشيخ ، هذا عبدي وليس ابني .
فابتسم الكهل وقال : اعذرني يابني فأنا عجوز خرف ونظري لا يجاوز يدي .
ثم أمسك بيدي لأرجعه إلى حيث كان ففعلت وفي الطريق أستند على كتفي بقوة كادت أن تخلع كتفي وقرب فمه من أذني وأسرني بكلمات لم أفهم حينها معناها فقال : قريبا ستنقشع الظلمة وتفرج الغمة ويجلي النهار العتمة ، يا بني إياك والغضب ، إياك والغضب ، احذر الغضب .
ولما رجعت لسيدي سألني ما أسرني الكهل فأخبرته وارتسمت علامات تعجب في عينيه وبرقت بريقا لم أفهمه ثم قال : كذب المنجمون ولو صدقوا ، استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم ، يا غلام إن هؤلاء الكهنة يدَّعون الغيب الذي اختص الله بعلمه لنفسه وهذا شرك بالله وادعاء شيء من خصائص الله فلا تصدقهم واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) فالحذر الحذر من تصديق الدجالين والسحرة والعرافين فيما يدعونه من أمور غيبية لا يعلمها إلا الله .
ثم اطرق بعدها وكأن فكره مشغول بفكرة ما ، وفي الطريق لم يحدثني أو يداعبني كالمعتاد وكنت أنتبه إليه بعد غفلة مني وهو يحملق في وجهي وكأنه أول مرة يراني وعندما يشعر أنني انتبهت لنظرته الغريبة تلك يشوح بعينيه بعيدا عني ولقد كررها مرارا حتى دب الخوف في نفسي منه .




shaher غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس