-10-
وفي مكان الحفل حيث أصمت الطبول والدفوف أذني ولم أكد أسمع من يصرخ بجانبي رأى سيدي رجلا يعرفه فتوجه نحوه وتبعته حتى وصلنا ناحيته فصافح والدي بحرارة بالغة ثم دنا مني وطبع قبلة على رأسي ، ثم بعد ذلك تكلم مع سيدي مطولا لم أفهم ولا كلمة مما قالوه لشدة قرع الطبول وقتها ، ولكنني كنت في حيرة من تلك القبلة التي طبعها على رأسي صديق سيدي ، فلم يسبق أن رأيت حرا يقبل غلاما عبدا .
ثم عندما تفرقت الحشود وخبتت أصوات قرع الطبول ، لم يكن هناك إلا القليل من المدعوين وبعض العبيد يعملون في همة ونشاط لتجهيز رواحل الضيوف المغادرين ، إذ كنت وسيدي ننتظر تجهيز راحلتنا لنغادر مكان الحفل فأقبل رجل في عمر سيدي تقريبا واحتضن سيدي بحرارة ومودة بالغتين ثم مد يده لي مصافحا فصافحته بكلتا يدي وانحنيت عليها طابعا قبلة متصرفا بخضوع كأي عبد مكاني فأمسك يدي بقوة وشدها نحوه ثم انحنى وقبلها ثم شدني إليه ولثم جبيني وخدي ، ورفع رأسه نحو سيدي قائلا : ما جل أدب أبنك يا مذكور ، فما اسمه ؟
فقال سيدي : هو عبدي ، واسمه شاهر .
فنظر الرجل نحوي ثم تفحصني بعينين كادتا تخترق ملابسي ثم جسدي ثم قال : يا مذكور ، بل ابنك من لحمك ودمك .
قال سيدي : إنه عبدي يا ... وناداه باسم ... أظن أنني نسيته . ثم ضرب شاهر جبهته يحثها على التذكر .
الشيخ زاهد : دعك من الاسم ، أكمل يا بني .
فأكمل شاهر : وهو نتاج جارية حسناء أملكها من عبد لدي لقبناه ( بزير الجواري ) واسمه الحقيقي صاعر .
فقال الرجل : يا مذكور ، أعرضه على غيري من قصاصي الأثر فلا أظن أنني واهم أو مخطئ .
فقال سيدي : لا بأس ، سأفعل .
وغادرنا بعد أن جهزت رواحلنا ومازلت في عجب مما سمعت ، وتداركتني أسئلة حائرة جثمت على عقلي الصغير ، أيعقل أن يكون الشيخ مذكور والدي ؟ وكيف يكون ذلك ؟ فأنا عبد أسود من جارية سوداء وهو حر أبيض ، ولم أكن أعي شيئا من أمور التناسل والنكاح وقتها ، ورفضت الفكرة برمتها وقلت في نفسي : لعل صديق والدي كان يهذي كما يهذي من أصيب بحمى . ورجعت بذاكرتي لوالدي ( صاعر ) الذي لم أشعر بوجوده وأبوته وحنانه البتة ، فقد كان دائما يتجاهلني وكأنه لا يراني أمامه مطلقا ، وأحسست بكرهه نحوي وتعودت منه على تلك المعاملة ، فعللت نفسي بكلمات كنت أرددها في سري : ما نحن إلا عبيد ، يوم ما سيبيعنا سيدي ويفترق شملنا وعندها لن يطول الحزن كثيرا لأنه لم يكن يحبني أصلا فكيف أبكي على فراق من لا أحبه .
أما والدتي فكنت متولعا بها لحد الجنون فقلما افترقنا أنا وهي وكانت تعتني بي أيما اعتناء وربتني أيما تربية وهذبت أخلاقي منذ نعومة أظافري فعودتني على أدب القول وحسن الكلام وعلمتني أن أنبذ كل ما ينافي الأخلاق والدين والعرف ، وكنت أكثر ما أخشاه أن يفرق سيدي بيني وبينها فوالله إنه لهو الهلاك المبين أما والدي صاعر فهو لا يهمني أبدا .
وكنا نسير في الوادي قافلين لقريتنا وفي الأفق ارتسم خط أبيض ينبئ عن قدوم يوم جديد مشرق ، حتى إذا ظهر النور وأفاقت الطيور من أعشاشها وخرجت الدواب من أوكارها فتجلت تسبح الخالق تحت إشراقة شمس تجلت كضحكة أبدية هزيلة ، ما لبثت أن تقهقه ، وترسل أشعتها الوضاءة كخيوط ذهبية منسوجة من نور تصافح بها الكون من حولنا وكنت غارق في تأملي لذاك المنظر البديع من صنع الواحد الأحد الفرد الصمد ببهجة الطفولة العارمة التي تسابق الصباح وتنشد أهازيجها وأحلامها ، فقطع تأملي صوت سيدي حينما قال : يا غلام ، هل ذكرت لك أمك شيء عن والدك ؟
قلت في عجلة من أمري : من ؟ آه .. تقصد أبي صاعر ، لا ، لا ، هي لا تتكلم عنه مطلقا ، أظنهما متخاصمين يا سيدي .
فأردف سيدي : وكيف تجد صاعر معك ؟
قلت : لا يهتم بي ، ولا يهمه أمري ، أكاد أجزم أنه يكرهني كرها شديدا ، لا أعرف سببه .
فقال : آه فهمت .
وعندما رجعنا لقريتنا وكنت متعبا متهالك القوى أصابني من التعب والوصب ما الله به عليم فارتميت في حضن أمي كقتيل ونمت حتى بعد صلاة العصر وبعد أن أفقت من منامي وجدت والدتي جالسة أمامي تعجن لخبز العشاء فقالت لي : علم سيدي أنك نائم فأخبرته أنني سأيقضك فأبى علي ذلك وقال : دعيه يفيق بنفسه ولا تزعجيه وإذا أفاق أخبريه أن يوافيني في مجلسي بعد صلاة المغرب .
ويا بني لقد عجبت من تصرفه هذا ، فما الذي حدث أثناء ذهابكم لحفلة الزفاف ؟
فقصصت عليها كل ما جرى من بداية الكاهن حتى عدنا ، فرأيت وجهها شاحبا وكأنه خال من أي تعبير سوى الخوف ، ولم أفهم لم كان هذا الخوف على وجهها ، فقلت لها أريد تسليتها : لقد ظن الناس أني أبنه وكأنهم عمي لم يفرقوا بيننا في اللون والشكل ، أليسوا بحمقى هؤلاء الناس يا أمي ؟
فقالت : كفاك تجرأ على من هم أكبر منك ، والزم حدود الأدب مع الغير حتى وإن كانوا غائبين عنك ، فأنا لا أحب أن يكون ولدي سليط لسان .
وبعد صلاة المغرب كنت جالسا بعتبة باب المجلس أنتظر قدوم سيدي من المسجد ، ولم يطل انتظاري حتى حضر برفقة أربعة رجال لم أرهم من قبل ، فأدخلهم سيدي للمجلس بينما كنت أنتظر خارجا ، ثم تبعهم عبد بالقهوة والتمر ولم يطل مكوثه لديهم حتى خرج وقال : أدخل سيدي يريدك .
وعندما دخلت المجلس أشار لي سيدي بالاقتراب أمام الضيوف وأمرني بالجلوس ففعلت فيما كانوا يحملقون في وهم يحتسون القهوة ، حتى غمز أحدهم لسيدي فأمرني أن أضع ثوبي ففعلت ولم يبق على جسدي غير سروال قصير لا يستر غير عورتي المغلظة ، عندها تسلل الخوف إلى قلبي وخشيت أن سيدي ينوي بيعي لأحد هؤلاء الرجال فيفرق بيني وبين أمي ، وبينما كنت أخمن من سيكون سيدي الجديد من هؤلاء الأربعة ، إذ أمروني بالدوران ببطء شديد رافعا ذراعي للأعلى ثم أمرني أحدهم بالدنو منه حتى كنت بين يديه فأمسك بعظمة ترقوتي وتحسسها مليا ثم برقبتي ومرفقي وكاحلي ولم يترك عظمة في جسدي إلا وتحسسها ودفعني لرجل آخر بجانبه ففعل مثل ما فعل الأول ومازالوا يدفعونني من رجل لآخر حتى رأيت سيدي الصغير ( حسن ) وكان يصغرني بعامين ، وهو أبيض البشرة قريب للصفرة ذو عينين واسعتين برموش طويلة وخدين نحيلين وأنف صغير حاد وفم صغير تحفه شفتين حمراوين كأنها تقطر دما وشعر أسود من الليل أسدل حتى شحمة أذنيه ، ومن شدة جماله ليظنه الرائي لأول وهلة أنه فتاة ، وكان هزيلا لكن صحته جيدة تنم عن نشاطه وسرعة حركته وكأنه نحلة طنانة تجوب الحقول ، وكان وقتها بجانب باب المجلس واضعا يده على فمه يضحك على منظري العاري باستهزاء بالغ وسخرية واضحة فابتسمت له كناية عن رضاي فانتبه سيدي فزجره وطرده ورأيته يولي هاربا ، عندها قال أحد الرجال مخاطبا رفقته : لقد بات الأمر جليا ، أليس كذلك ؟
فقال آخر : لا أحد يستطيع التشكيك فيه البتة .
وقال ثالثهم : من شكك فيه أو نفاه ظالم لنفسه .
فرفع رابعهم بصره نحو سيدي ثم قال : إنه لقول فصل بلا ريب أو هزل ، وإن غلب عليه دم الأم ، وإنا نجزم بأنك الفحل .
ثم التفت للثلاثة الآخرون وقال : فما تقولون ؟
قالوا : قولك الحق وما علمنا غيره أحق .
عندها نظرت لسيدي وكان يشتط غضبا وكأن عينيه ستخرج من رأسه وقال بصوت متهدج مكبوح : جارية لعينة .
ثم أشار لي أن أدنو منه فدنوت فمسح على رأسي وقبل خدي لأول مرة في حياتي وقال : البس ثوبك واستدعي أمك لتوافيني في الحال .
أخذت ثوبي وخرجت أجري حتى وصلت لأمي وأخبرتها أن سيدي يريدها على وجه السرعة ورأيت في عينيها نظرة جمود كأنها رأت شبح الموت ، أو كأنها تهيم في واد سحيق لا يرجى منه نجاة .
وبينما كنت أرتدي ثوبي إذ أقبل سيدي الصغير ( حسن ) وجر ثوبي فأرخيت يدي عن الثوب فأخذه وألقاه على الأرض ثم وطأه بقدميه وهو يقفز مرحا فابتسمت له كناية عن رضاي وقلبي يكاد ينفطر من ألم الذل وتداركني نحوه كره عميم وغيض دفين فكأن بداخلي براكين لا تلبث أن تنفجر فتحرق كل طري ويابس .
حينها قال لي بسخرية بالغة : سيبيعك والدي ، أيها الغبي الأسود وأنت تضحك ، لن تستطيع رؤية أمك بعد اليوم ، والله ما أشد غبائك .
ثم صفعني على خدي وقال : ولن أستطيع أن نلعب لعبة الحمار الأسود ، أتعلم أريد أن أصعد على ظهرك الآن ، هيا انحني .
فانحنيت بخضوع عبد يلبي مطلب سيده ورغباته وركب على ظهري ، ثم قال : سر بي يا حماري الأسود .
وضربني على إليتي براحة يده تحاملت على ألمها بقليل من الصبر لأدفن كره وجزع لم يسبق أن عرفته ، وشعرت حينها بظلم الدنيا وقسوتها ، وسرت به حابيا علي يدي وركبتي عار ليس علي غير ما يستر عورتي المغلظة ، وبينما كنت أسير به إذ أمسك برأسي وشد شعري المجعد بقوة وقال : أسرع من هذا .
ورفعت رأسي من شدة الألم فبصرت والدي ( صاعر ) الذي نحى وجهه بعيدا عنا كأنه لا يأبه مطلقا بما ألاقيه ، ومكثت هنيئة أسير به على ظهري حتى مل وجزع فنزل عن ظهري ثم ركلني على بطني قائلا : حمار كسول .
وتركني مقهقها وأنا منكبا بوجهي على الأرض أصارع آلام بطني واحتباس تنفسي وشعرت بآلام جسام ظننت بسببها أنني مفارق حياتي لا محالة .
في تلك الأثناء خرجت أمي من المجلس تنتحب مكفكفة دمعها بطرف وشاحها ، وسارت حتى مكاني وحملت ثوبي من الأرض وأمسكت بيدي فأوقفتني على قدمي وجرتني إلى عشتنا ، ثم أجلستني وقد خف ألم بطني قليلا واستعدت تنفسي فقلت : ما يبكيك أماه ؟
قالت : بكاء الدنيا كلها لا يغفر لي حرمانك الحرية .
قلت : وكيف ذاك أماه ؟
فاحتضنتني بقوة لصدرها أحسست معها بدفئها وحنانها ، وقالت : بني ، لقد أخفيت عنك أمر لا يغتفر ، لقد أخفيت عنك أبوك الحقيقي ، أو تغفر زلة أمك وحبيبتك .
قلت : أتقصدين أن ( صاعر ) ليس أبي ؟
قالت : نعم هو ذاك ، وأنت أبن سيدي الشيخ ( مذكور ) .
عندها أحسست بشعور غريب أمتزج فيه الفرح بالغضب فرحا بأن أبي سيد قبيلة وشيخ وغضب من أمي كيف أخفت عني مثل هذا الأمر ؟
فقلت : أماه ، لم أخفيت عني أمر أبي ، لم نسبتني للعبد صاعر ، بينما أبي سيد وشيخ قبيلة ، كيف رضيت لي هذا الذل والعار كل هذه الأعوام ؟
قالت وهي تنتحب : لا تعذبني يابني ، لقد أردت حمايتك .
فانسابت من عيني دمعة حارة وخرجت مني آهة مجروحة ثم قلت : تحميني ؟ ومن من ؟ لقد دمرتني يا أماه .
فزاد نحيبها وهي تقول : إن علمت سبب إخفائي أمر كونك حرا ستعرف أنني كنت أحميك ، ويا بني أنني ما فعلته إلا خوفا عليك أن يصيبك مكروه كنت قد علمت أنه طائلك لا محالة .
قلت : أخبريني ما الأمر يا أماه ؟
قالت : أتعدني وتقسم على كتم السر ؟
قلت : نعم .
فقصت علي الأمر من بداية أن اشتراها سيدي ليومنا ذاك ففهمت الأمر وعذرتها وطيبت خاطرها .
وفي ضحى اليوم التالي جاء سيدي إلى مخدعنا وكنت مستلقيا في جوف أمي وهي تمسد شعري وتفك عقده ، ولما رأته أزاحتني عنها برفق وقامت إليه منحنية لقدميه ترجوه أن يسامحها على فعلتها فقال لها : لا أعرف لك عذرا في إخفاء الحقيقة عني كل هذه المدة ، ولولا الصدفة التي قادتني لمعرفة الحقيقة لظل ولدي عبدا في كنفي أو أن أبيعه لآخر فيظل عبدا إلا أن يموت ، أوليس لك قلب أم تحب الشرف والرفعة لابنها ، أنا سيد قبيلتي ومن كان غيره سيخلفني بعد موتي ؟
قاطعته وهي تقبل قدميه : لا أراك الله شرا يا سيدي .
فتنهد ثم قال : كم أحببتك وفضلتك على كل الجواري وأكرمتك كرما لم أهبه لغيرك ، أهكذا تجازين من أحبك وأكرمك .
قالت وهي ما تزال تقبل قدميه : كلا يا سيدي ، لكنه خطأ وسوء تقدير .
قال : تلبسين ابني بعبدي صاعر وتقولين سوء تقدير .
قالت وهي تنتحب : كنت غبية بتصرفي أرجوك سامحني يا سيدي .
قال وقد علا صوته : لا تدعي الغباء يا حبيبة ، فأنت أذكى امرأة رأتها عيناي لكن لابد أن في الأمر سر .
وسمعت كلمة سر فهممت أن أخبره بسر سيدتي الحسناء عائشة لولا أن جبنت خوفا من عقاب أمي .
قالت : كما أخبرتك سيدي فقد خفت أن لا يصدقني أحد لأنه لا يشبهك بتاتا وخشيت أن أرمى بسوء أو أن أتهم بأنني أريد إلصاق الطفل لك ، فيكون سببا في تفريقي عن ولدي للأبد ، سامحني يا سيدي أرجوك . ومازالت تقبل قدماه حتى هدأ غضبه ثم قال : أنت من اليوم حرة . ومد يده لقلادتها فقطعها ، ثم أردف : إن أحببت الانطلاق حيث شئت فلا أمنعك اتركي ولدي وأنت حرة وإن أحببت البقاء كان مهرك عتقك فاختاري ما تشائي .
قالت وهي ما تزال تقبل قدميه : بل أختارك يا سيدي ، أكون زوجك وخادمتك .
قال : إذا سنبني لك كوخا وتنزلين به زوجتي معززة مكرمة وأُماً لأبني أعهد إليك تربيته وتنشئته .
ثم أزاحها عنه برفق وأشار إلي أن أدنو منه ففعلت فأمسك بقلادتي وقطعها وهو يقول : هل تعلم أنك ابني أيها الأسود ، فقبلت يده ثم حضنني وتعلقت بخاصرته وهو يقول : كنت دائما أشعر بأبوة صادقة تجاهك لكن أمك غالطت أحاسيسي ومشاعري نحوك ، أتسامح أمك يا بني ؟
قلت : نعم يا سيدي .
قال : لا ، بل قل أبي .
قلت : أبي .
فرفعني بذراعه عاليا ثم قبلني قبلات عديدة في خديَّ وعينيَّ ورقبتي وظل كذلك حتى غالبه بكائه فقال وهو يجهش : سأعوضك الحرمان الذي وهبته أمك لك .
ثم توقف عن تقبيلي وقال : أعلم أنك تكرهني ، أليس كذلك ؟
قلت : لا ، أنا أحبك من قبل فقد كنت طيب القلب معي ووهبتني محبة صادقة من قبل أن تعرف أنك أبي والآن أنا أحبك أكثر وأكثر يا أبي .
وتعلقت برقبته وحضنته بكلتا يدي وكلت له القبلات في رقبته ووجهه حتى ضحك فرحا مسرورا .
ثم حملني على رقبته وتدلت قدمي على صدره وهو ممسك بيدي يقبلها وخرج من العشة على هذا الوضع فبصرت بصاعر الذي بدا مندهشا وكذلك بقية العبيد والجواري ينظرون وقد علت الدهشة وجوههم فناداهم جميعا ، فتحاثوا وأسرعوا نحونا حتى كانوا بين يدينا فقال لهم : هذا ابني ، وهو سيدكم .
فرمق العبيد والجواري صاعر بنظرة دهشة وحيرة ، فتداركهم صاعر بقوله : لقد قلت لكم من قبل ولم تصدقوني ، الحمد لله الذي أظهر الحق وبرأني من نسبه .
فقال أبي : قبلوا يد سيدكم شاهر .
فامتثل الجميع ولما جاء دور صاعر قال له والدي : انتظر أريدك .
وانتظر جانبا حتى إذا فرغ العبيد من تقبيل يدي أمرهم والدي بالانصراف ثم قال لصاعر : إذا ظهر الحق يا صاعر .
صاعر : الحمد لله يا سيدي .
قال والدي : قاتلك الله فأنت لم تجعل لنا سببا لتصديقك يا لئيم ، فما من جارية إلا ونابها منك ما نابها .
قال : يا سيدي ، إلا حبيبة فقد تعففت من أول يوم جاءت فيه للدار فتركتها وشأنها ، ثم يا سيدي كنت أعلم بقدر محبتكم لها فما كنت أتجاوز حدودي في حرثكم ، ثم إن جواري الدار والقرية ألهينني عن جمالها وفتنتها .
فقال والدي : أيها اللئيم ، أما زلت على عادتك حتى بعد أن زوجناك ؟
فقال : يا سيدي ، غلب الطبع التطبع ، وطعام واحد كل يوم يمرض البطن والأمعاء ، ثم يا سيدي ما أفعل وحسنهن يسلب القلوب والعقول .
قال والدي : ألا يكفيك الغزل وقول الشعر فيهن ؟
قال صاعر : بلا إن تمنعن يا سيدي ، لكنهن يسقطن في حبائلي من أول بيت .
فقال والدي ممازحا : الحل عندي سأريحك يا صاعر وأريح الجواري منك .
فقال : أتريد بيعي ؟ لا بأس ففي كل أرض وقرية يوجد جواري حسان ولن تستطيع منعي إن بعتني يا سيدي .
فقال والدي : لا لن أبيعك ، لكني سآمر بدق خصاك فتكون والجواري سواء .
فقال صاعر وقد علا وجهه الخوف : لا يا سيدي ، إلا هذه ، سوف أتوب ، بل أقسم لك أني تبت من الآن . وانحنى يقبل قدمي والدي .
فقال والدي إمعانا في المزاح : أيها اللئيم ، سيكون لك شحما ولحما وبدنا قويا ألا تحب ذلك ؟
قال صاعر : وما أفعل بالشحم واللحم ؟ أتريدني يا سيدي أرى الجواري ولا أحرك ساكنا سأموت كمدا ، يا سيدي اقتلني ولا تشنع بي هكذا .
فضحك والدي بصوت عال حتى سعل من شدة الضحك ثم قال : وتقول أنك تبت ، لا بل سآمر بدق خصاك .
قال صاعر : إن فعلت يا سيدي ، قتلت نفسي .
قال والدي : إذا تب بصدق .
قال صاعر : أعدك يا سيدي أن توبتي هذه المرة ستكون صادقة .
فقال والدي : سنرى إن كانت توبتك صادقة ، هيا انصرف يا فحل الجواري .
فانحنى صاعر ممسك بطرف ثوبه بأسنانه مغادرا وهو يقول : أقسم أني ما عدت ذلك .
ثم توجه نحو كوخ امرأته عمتي ( عائشة ) التي كانت تكن لي عداءا ظاهريا محسوس لكنني لم أكن أعلم له سببا إلا الآن ، فهي لا تريد لامرأة أن تشاركها في زوجها كما أن جشعها وحرصها على مال والدي سبب آخر فهي لا تريد أن يشارك أبنيها شريك في المال بعد وفاة أبي .
ودخلنا أنا وأبي لكوخها على نفس الهيئة يحملني على رقبته وكان بين يديها أبنيها ( بتول ) فتاة في المهد بدا أنها ترضعها و( حسن ) الذي كانت تفلي شعره وقتها ، وكانت عمتي امرأة شديدة الجمال لكنها تفرط في زينتها فقد وضعت الكادي والريحان على رأسها وخللت مفرق رأسها بلون أحمر وكذا الكحل كاد أن يغطي كل أهدابها وترتدي كل حليها دفعة واحدة وكأنها تاجر يعرض بضاعته ، ولما رأتنا رأيت إلتماع عينيها وأيقنت بشر سريرتها وخبثها ، ثم قالت بنبرة لا تخلو من الاستهزاء : أجننت يا رجل لتحمل عبدا فوق رأسك ؟
قال : وهل خبرت بي الجنون من قبل ؟
قالت : لا ، لكن ما تسمي هذا الذي تفعل ؟
قال : إذا فقولي أعاد إليك رشدك وكشفت غمامة عينيك ؟
قالت : ماذا تقصد ؟
قال : إن شاهر ابني يا عائشة ، نعم هو ابني .
ورأيت في عينيها نظرة جمود وخوف كادت أن تفقدها وعيها .
ثم أردف سيدي : تعرف عليه قصاصي الأثر ولولا لطف ربي لما عرفت بالأمر ، لأن حبيبة ضللتني كل هذه المدة عنه ، أترين كيف قابلت جميلي بالجحود والنكران ، لكنها الآن أقرت أنه ابني .
فتظاهرت بالغضب قائلة : لكن لماذا أخفت عنك ذلك ، هذه الجارية اللعينة .
فقال : عذرها واه لا يدخل عقل صبي ، فقد ظنت أنه لما رأت أنه لا يشبهني البتة خافت أن أتهمها بسوء وأفرق بينها وبين ولدها .
ورأيت في عينيها نظرة ارتياح لعدم كشف سرها ثم قالت : مسكينة حبيبة ، يا لغبائها ، سامحها يا زوجي العزيز .
قال : سامحتها يا عائشة ، وتزوجتها وجعلت مهرها عتقها .
فتظاهرت بالسرور وقالت : هذا أفضل .
فقال مستغربا : لا أراك مثل بقية النساء .
قالت : وكيف ذلك ؟
قال : لا أراك غاضبة أو مستاءة أن يكون لك ضرة ؟
قالت : وما يغضبني وهي جارية .
قال : أصبحت حرة .
قالت بدلال بالغت فيه : ما تزال في عيني جارية سوداء ، لن تضاهي جمالي وفتنتي عليك ، يا أبا حسن .
قال : طبعا ، طبعا لن تضاهي جمالك ، لكنني لست أدعى من اليوم بأبي حسن بل نادني أبو شاهر لأن شاهر أكبر من حسن بعامين .
قالت : لك الأمر ولنا الطاعة . وعضت على أسنانها حنقا وهي تقول : يا أبا شاهر .
فأنزلني وقال : قبل عمتك وإخوتك يا بني .
فتقدمت لعمتي ومدت لي يدها باستكبار بالغ فقبلتها ، ومدت لي رضيعتها أختي بتول فلثمت خدها ، ثم التفت نحو أخي حسن الذي كنت بالأمس حماره الأسود فمد لي يده فقبلتها فغضب والدي لذلك وقال : بل تبادلا القبل كما يفعل الأخوان .
فحضنته بمودة صادقة ولثمت خده واكتفى هو بأن قال : كم أنا سعيد أن يكون لي أخ يا أبي .
فقال والدي : يا حسن ، شاهر أخوك الأكبر يجب عليك احترامه وتوقيره من هذه اللحظة ، وعليك الإقتداء بأفعاله وخصاله وإن طرأ عليك أمر فعليك أخذ مشورته فهو أنضج منك عقلا وأوسع حكمة ، وإن اعترضك عارض فشد أزرك به فهو أقوى منك وأكبر .
ثم تنهد وقال : لتعلما أنكما عندي بمنزلة العينين ، فهل يحب المرء عين من عينيه ويكره الأخرى ؟ ، ولن أفرق بينكما ما حييت في المعاملة والتربية والنفقة فلا يظن أحدكما أنني آثره على أخيه لأنه أحب إلي من الآخر ، فأنتما عندي بمنزلة واحدة لن أظلم أحدكما على حساب الآخر ، ولتكونا عونا لبعضكما تشدان أزركما ببعضكما على الآخرين لا يستأثر أحدكما بأمر دون الآخر فإن الاثنين أقوى من الواحد وحري أن لا يضلا ، ولا يمدن أحدكما يده على أخيه بحق أو بدون وجه حق ، ولا يظلم أحدكما الآخر تعسفا وإن حزب على أحدكما أمر من أخيه فليأتني ويخبرني بأمره فاقتص له منه إن كان له الحق ، أفهمتم قولي ؟
قال حسن : نعم يا أبي .
وقال والدي لي : وأنت ؟
قلت له : فهمته وحفظته يا أبي .
فقال : بارك الله لي فيكما وجعلكما بارين صالحين مصلحين .
قالت عمتي : آمين . فقلت مثلها فامتعض وجهها ثم قال والدي : هيا أذهبا للعب خارجا ، فأنا أريد عائشة في كلام خاص .
فخرجنا ممسكا كل واحدا بيد الآخر حتى إذا أقفل حسن باب الكوخ أبعد يده عني وقال : اتبعني .