عرض مشاركة واحدة
قديم 11-11-2006, 08:45 AM   #20 (permalink)

shaher

عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher
 






معدل تقييم المستوى: 3
shaher has a little shameless behaviour in the past
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher

علم الدولة: علم الدولة
 

My SMS

افتراضي

-12-
بعد هذه الحادثة تحسنت معاملة أخي حسن لي ، وتعلق بي أشد تعلق وسر لقوتي وجبروتي على صبية القرية ، فما أكثر ما كان يطلب مني أن أضرب له أحد صبيان القرية حتى كان جميع صبية القرية يهابونني ويخشون إغضابي حتى صرت زعيمهم بالجد والهزل يأتمرون بأمري وينتهون بنهيي وأغدقوا علي الهدايا والهبات كل يطلب ودي وصحبتي ، حتى حسن أغرقني بهداياه لكن ليس توددا ومحبة لي بل مقابل أن أبطش بأي شخص يريد ، وعندما أصبحت في العقد السادس عشر وهو في العقد الرابع عشر بانت علي علامات الرجولة وأصبح فكري ناضجا وتجلى في رفضي طلب حسن لأسلوب التسلط على البشر وقد حاولت إفهامه أكثر من مرة أن حب الناس لا يأتي بالقوة والعنف بل بحسن المعاملة ، لكنه كان عصيا أن يفهم مني هذا المغزى لأنه رأى في جسدي ثور هائج ظن أنه لابد أن يستغله لأقصى حدود التسلط والبطش ، وهكذا كنت مرارا أرفض أوامره وطلباته فتجاهلني فعوضت تجاهله لي بصداقات وطدتها مع أقران لي من القرية واستبدلت أسلوب التسلط والبطش بالاحترام المتبادل وحسن المعاملة وكنت لا أشتم أو أعير مطلقا ولا أسفه رأي أحد ما مهما كان معارضا لرأيي ، فأحترم أراء الآخرين وتوجهاتهم فعرف الجميع نبل أخلاقي ومقدرتي على كسب الآخرين فعوملت بالمثل .
وفي مرة من المرات وكنت جالسا مع أصحابي إذ أقبل صبي يشتكي لي من أخي حسن ، فقلت : أشتكيه لوالدي .
قال : أنت أخوه الأكبر فامنعه عني .
قلت : قلت هو لا يستمع مني نصحا .
قال : يا سبحان الله ، كل من القرية يهابك ويأتمر بأمرك وأخاك لا يفعل ؟
قلت : نعم ، لأنني لا أرهبه أو أخيفه مني هو أخي وليس أبني لأؤدبه ، أما التربية فهي لوالدنا يربينا كلينا .
قال : إذا كنت لم تمنعه عني فأنا قادر على منعه ، وإنما خشيت عقابك يا شاهر .
قلت : لكنني لا أرضى أن يمد أحدا يده على أخي غير أبي ، أما شكواك فانقلها لأبي وما عندي غير ذلك ، أفهمت ؟
فقال في استسلام : نعم فهمت .
وهكذا فقد التف حولي أصدقاء كثر ، أما حسن فالكل كان يتجاهله لأنه كان مدللا يثير المشاكل وكان الصبية يتحاشونه مخافة من أن يكون غضبي هو الفاصل ، وظل حسن أياما لا يجد من يلعب معه لقد كرهه الصبية لأنه يثير المشاكل ، ولقد أثار مرة زوبعة بوشاية بين أصدقاء أتضح لهم فيما بعد أنه واش كذاب ونمام فاجتنوه ولم يثيروا معه المشكلة احتراما لي وتركوه في غله دون صديق أو خليل ، ثم علمت أنه كون صداقات مع صبية أشرار في أطراف القرية فوجد ضالته فيهم ، فهم ينهبون ويسرقون البطيخ من المزارع ويتلفون أخرى لا لشيء إلا التسلية وحرق قلوب أصحابها عليها ، وناصحته مرارا وأبى أن يستمع لنصحي .
فقلت له مرة : إن رأيتك بعيني تسرق معهم فسوف أمنعك .
فقلد كلامي في استهزاء وتركني ، وأصبحت بيني وبينه فجوة ، فقد كان يتجاهلني وشعرت بكرهه لي يتجدد بعد أن ظننت أن كرهه لي قد مات وحل مكانه الحب .
وفي يوم من الأيام ، بعد العشاء كنت ألعب مع أقراني في أطراف المزارع إذ أقبل صبي وقال أمام أقراني : أخوك حسن ذاهب مع رفقة السوء يسرقون مزرعة .
فاستشطت غضبا وقلت : أين هم الآن ؟
قال : بالجانب الغربي من العقم الكبير .
فجريت حتى وصلت المكان فوجدتهم مختبئين ينتظرون مغافلة الحارس الذي كان يستعد للنوم ، فدنوت منهم وقلت : حسن ، ما الذي تفعله هنا ؟
فالتفت إلي قائلا بصوت خافت : أخفض صوتك ؟ ثم ماذا تفعل أنت هنا ؟ اذهب يا شاهر من هنا قبل أن يفتضح أمرنا ؟ أرجوك ؟
قلت : أتنوون السرقة ؟
قال : قلت لك أخفض صوتك ؟ وسنتكلم عن هذا فيما بعد ؟ هيا اذهب الآن ولا تخرب متعتنا ؟
قلت : أي متعة هذه في تخريب وسرقة جهد أيام طويلة من الحرث والبذر والري ، ألا تخافون الله ؟
قال أحد رفقة السوء : حسن ، اذهب مع أخيك قبل أن يفتضح أمرنا ؟
قال حسن : سيذهب لوحده ، هيا يا شاهر ، أرجوك أن تذهب ؟
قلت : لن أغادر بدونك ؟
قال : أرجوك ؟
قلت : لا .
قال : وإن لم أذهب معك ؟
قالت : سأصيح على الحارس بأعلى صوتي ليمنعكم .
قال : كن عاقلا يا شاهر ؟ أتود أن تفضح أمر أخيك وحبيبك ؟
قلت : بل أريدك أن تعود لصوابك ، هيا يا حسن دع رفقة السوء هذه وتعال معي ، فلابد أنهم سيفضح أمرهم يوما ما .
قال أحدهم : قل خيرا أو فاصمت ، ما هذا الفأل ؟ حسن اذهب مع أخيك وإلا..؟
قلت وقد علا صوتي : وإلا ماذا ؟
تداركني حسن وأطبق يده في فمي قائلا : أخفض صوتك هو لا يقصد شيئا ..
في تلك الأثناء أحس الحارس بوجودنا فصاح : من هناك ؟
عندها تسلل الزمرة مبتعدين بخفة فلم يسمع لهم حسا ولا همسا ، وأمسكت بمعصم حسن وتسللت خلفهم حتى إذا ابتعدنا عن المزارع ، أخذ الصبي الذي كان يهدد أخي يحث سيره كمن ينوي الهرب فلحقت به وأمسكته من قميصه ناحية كتفه وأوقفته قائلا له : بم كنت تهدد أخي بقولك وإلا ؟
قال : ما شأنك أنت ؟ هذا أمر بيننا ونحن أصدقاء .
فقال حسن : لا تتدخل يا شاهر بيني وبين أصحابي ، لك أصحابك ولي أصحابي .
قلت : وأنا أخوك ومن واجبي الدفاع عنك .
وكنت مازلت ممسكا بتلابيب الصبي الذي بدا أنه خائفا لهول ما رأى من قامتي وامتلاء عودي فوجهت كلامي نحوه قائلا : إن كنت تظن أن بمقدورك السيطرة على أخي فأنت مخطئ يا هذا .
قال وهو يرتعش : أنا لم أجبره على شيء لقد جاء معنا بمحض إرادته ، اسأله . ثم قال لحسن : هل أجبرناك على شيء من قبل ، ألم تأتي معنا بمحض إرادتك ؟
قال حسن : نعم هذا صحيح ، والآن هيا دعه وشأنه ، إن آذيته فلن أسامحك أبدا ، إنه صديقي يا شاهر .
قلت : ومتى كان الأصدقاء يهددون بعضهم ؟ بل هو زعيمكم تأتمرون بأمره وتنتهون بنهيه ، لا تحاول يا أخي خداعي ، إنه يتهددك ويتوعدك ، وأنا لست غبيا لتنطلي علي هذه الخدعة .
ثم شددت قبضتي على تلابيب الصبي وأخذت أهزه قائلا : بم كنت تهدد أخي هيا أخبرني قبل أن أحطم عظامك .
وكان مازال البقية ينتظرون مذعورين يريدون الفرار ، لكن لم يستطيعوا ترك زعيمهم ليواجهني بمفرده فأجلت بصري نحوهم بنظرة وعيد تراجعوا على إثرها .
قال حسن : قلت لك اتركه وشأنه ، إن أردت شيئا فتكلم معي ؟
قلت : أخبرني أنت إذا بم كان يهدد ؟
قال : دعه وأنا أخبرك .
قلت : لا لن أتركه حتى تخبرني ؟
فأمسك بيده الغضة الطرية يدي التي أطبقت على تلابيب الصبي محاولا فكها منه فأحس بالعجز فقال : دعنا وشأننا ولا تتدخل في أموري الخاصة ، يهددني يضربني هذا شأني وحدي لا دخل لك به ؟
فوجهت كلامي للصبي قائلا : لا تبالي بكلامه أنا أخوه الأكبر ومن واجبي الدفاع عنه ، أليس كذلك ؟
فهز الصبي رأسه بالإيجاب وقلبه يكاد يخرج من مكانه لخوفه ، لكن حسن قال : أنت لست وصيا علي ، يا أسود دعني وشأني وإياك أن تمس أصحابي بسوء ؟
قلت : حتى وإن آذوك ؟
قال : لم أشتكي لك منهم ، ثم ألا ترى أنك تحشر أنفك فيما لا يخصك .
وكان وجه حسن يمتلأ بالغضب شيئا فشيئا عندما قلت للصبي : إذا رأيت من يعتدي على أخيك أتظل متفرجا لا تحرك ساكنا ؟
فازدرد الصبي ريقه حينما قال حسن : ومن قال أنك أخي ؟ أو نسيت أنك عبد ؟
قلت لحسن : عيب عليك !
قال : وهل تعرف أنت وأمك العيب ، قلت لك دع صديقي يا ابن الجارية ؟
فتركت تلابيب الصبي وقلت لحسن : كف عن ذكر أمي بسوء ؟
فقهقه بازدراء ثم قال : قلت لك لا تحشر أنفك فيما لا يخصك فأبيت ، فخذ ما أردت أن تنساه لسنوات ، تقصد أمك الجارية الزانية التي غررت بأبي لتحمل اسمه وترثه بعد مماته ، ما أنت إلا ابن المولى ( صاعر ) زير الجاريات .
عندها ارتفع الدم في وجهي ولم استطع كبح جماح غضبي ولم أمهله ليكمل فقاطعت حديثه بوكزة على وجهه سقط بأثرها على الأرض وارتطم رأسه بحجر كبير وانفجر الدم يتدفق من رأسه ولم يحرك ساكنا فانحنيت إليه وانكببت عليه أحضنه وأقبله وأسأله أن يسامحني لكن عينيه كانت جاحظتين وجسده مسجى كالأموات ، والتفت أريد من الصبية المساعدة قبل أن يموت أخي بنزيف حاد فوجدت المكان خاليا وسمعت خلف الظلام الصبية يتنادون وهم فارين : شاهر قتل أخاه .
وحملقت مجددا في وجه أخي فوجدته قد فارق الحياة هززته بقوة ليستيقظ لكنه كان بلا حراك ، عرفت حينها بموته ودب الخوف في نفسي وبردت أطرافي وتجمدت شراييني وأطبق في عيني ظلام دامس ومستقبل حالك ، والتفت ناحية القرية فرأيت أناسا يحملون النباريس يتقدمون ناحيتي وأحسست بالخطر وشبح الموت الذي أخذ أخي يقترب مني ويكاد أن يلتف على رقبتي وشعرت بحد السيف يلامس حنجرتي ويقطع أوداجي ، فلم أعرف كيف أتصرف وأخذت أتخبط أجري يمنة ويسرة أتقدم ثم أتقهقر ، حتى دنا الناس مني ، عندها أطلقت رجلي للريح ودخلت بين المزارع أكدش وأقوم متابعا هربي حتى وجدت أكوام قصب انزويت بينها وأنا أفكر في مصيري أأقتل جزاء قتلي لأخي ، نعم سأقتل هكذا كنت أردد بنفس وجلة مضطربة ألعن حظي والغضب حتى أنبلج نور الصباح وأنا أصارع مخاوفي من حد السيف ، وعزمت أمري على الفرار بعيدا عن القرية فتسللت إلى مزرعة من المزارع جمعت ما أمكني من الحبوب والخضروات وخلعت قميصي وجعلت منه صرة وضعت فيه ما جمعت وهربت هائما على وجهي أحمل عار دم أخي بين كفي ، فتلك أول مرة مددت فيها يدي على أخي أودت بحياته وفارق الدنيا بأسرها ، لقد كنت جبانا عندما تركت الغضب يسيطر على نفسي وكنت مخطئا في تقدير أمر ضربه ، فقد توهمت أنني إن ضربته لن يتطاول علي أو على أمي بسوء ، لأنه ترك الدنيا بأسرها ، وصار عصفورا في الجنة ، كان ذلك منذ عشرة أعوام ومازال شبحه يطاردني ليل نهار وكأنه يريد النيل مني والفتك بي ليقتص مني ، فماذا أفعل يا عمي الشيخ ، أأعود إلى قريتي وأسلم نفسي وأواجه الموت جزاء غدري بأخي ، أم أظل هاربا أتعذب بذكرى تضج مخدعي وتفسد علي حياتي ، دلني يا عمي الشيخ فأنا محتار لا أستطيع التفكير .
وأدمعت عيني شاهر ثم انتحب بعدها نحيبا مرا مما هيج عاطفة الشيخ فسقطت من عينه دمعة ساخنة وهو صامت حائر ، ثم تلتها أدمع انحدرت على لحيته البيضاء المتلالأة فمسحها بكمه وقال : هو الغضب يا بني ، قاتل الله الغضب ، لقد نزغ الشيطان بين قلبيكما وولد بها الكراهية ، إنه من فعل الشيطان نعوذ بالله من شره وهمزه ولمزه ، يابني كن مع الله يكن معك ، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وقتلك لأخيك لم يكن عمدا فلا تقس على نفسك ، فضربك له لم يقتله وما قتله غير الحجر الذي سقط عليه والله علام الغيوب ، إن كنت يا بني كما رويت لي كنت تقصد تأديبه لا قتله فتأكد أن الله سيجعل لك مخرجا مما أنت فيه ويأتيك بالفرج ولو بعد حين ، فاستعن بالله وتوكل عليه .
وربت على كتف شاهر وخرج من الكوخ يكفكف دمعه بطرف كمه ، وبدا لشاهر أن الكوخ يضيق شيئا فشيئا ولكأنه يطبق على صدره فتختلف لإطباقه أضلاعه وأحس بضيق شديد في تنفسه فتمدد على ظهره وغفا غفوة حالم بالفرج بعد العناء .




shaher غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس