
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
هناك توقع أن يدخل الأردن مرحلة تحول ديموغرافي تعرف "بالهبة الديموغرافية" في الفترة 2010 2015 ـ اذ ستبلغ نسبة السكان في سن العمل حوالي ( 64,5) بالمائة من مجموع السكان الكلي ، بينما تنخفض نسب المعالين إلى اقل من ( 35,5 ) بالمائة، وحسب رأي المختصين سيشكل هذا التحول تحديا أمام صانع القرار الأردني يتطلب رفع معدل النمو الاقتصادي لخفض معدلات الفقر والبطالة وتحسين نوعية الحياة، كما أن ظهور "الهبة الديموغرافية" في المجتمع في فترة زمنية معينة يعني الزيادة المحتملة في عدد الأيدي العاملة في المجتمع، لذا فان الناتج المحلي الاجمالي سيزداد اذا ما توفرت لهذه الأيدي العاملة فرص العمل المنتجة، وهذا يتطلب إعداد سياسات جيدة في مجالي الصحة والتربية والتعليم واعداد انظمة مالية وتطوير اسواق مناسبة قادرة على استيعاب الشباب!"
الهبة الديموغرافية" سلاح ذو حدين حيث يمكن استغلالها لتنمية وبناء المجتمع وإحداث تغييرات جذرية وشاملة تتبعها نهضة شاملة لكافة القطاعات الاجتماعية، في حين ان عدم استثمار الشباب في هذه الفترة بما يحقق مصلحة المجتمع والتنمية سيحول الهبة الديموغرافية الى نقمة!الهبة الديمغرافية تحد كبير فيما يبدو، ليس في الأردن فحسب، بل في بقية الدول العربية التي يغلب على سكانها العنصر الشبابي، خاصة وأن اهتمامنا بالشباب الذين سيشكلون نحو ثلثي السكان عما قريب لم يزل اهتماما شكليا موسميا، لا يكاد يذكر إلا في ندوة عابرة أو "موضوع إنشاء" في حصة "التعبير" في المدارس، وحتى حين نكتب عن الشباب ربما ينصرف كثير من القراء لمتابعة ما نكتبه باعتبار هذا الموضوع يندرج تحت باب لزوم ما لا يلزم، علما بانني شخصيا تعرضت للوم متكرر ومرير من الشباب كوني لا أفرد حيزا معقولا للشباب!
ربما يكون كلامي هنا مفاجئا بعض الشيء، فأنا أعتقد أن علينا أن نطوي الملف الإجتماعي في حياة الشباب قبل أن نبحث لهم عن فرص عمل، وهذا الملف تحديدا يحتل ذيل سلم أولوياتنا، باعتباره إما عيبا أو ترفا، إن حل المشكل الإجتماعي في حياة الشباب يحولهم إلى بشر مبدعين، وبتعبير اكثر وضوحا، لا بد من حل مشكلة "الشقاء الجنسي" في حياة الشباب قبل أن/أو بالتوازي مع إدخالهم إلى سوق العمل، فالشاب الجائع لا يمكن أن يفكر بالإبداع، كما أن الشاب غير المستقر عاطفيا شخص مستلب ومتوتر، ولا يمكنه إلا تشغيل جزء يسير من "خطوط إنتاجه" كي يكون عنصرا مفيدا في عملية التنمية، لقد فوجئت بإغفال هذا العنصر الخطير من كثير من البحوث، وهالني أن أحدا من الخبراء نادرا ما يتطرق إلى هذا الجانب من حياة الشباب، علما بأن هذا الملف يشغل بال جميع من أدركوا سن النضج ولم يتمكنوا من إشباع رغباتهم بشكل سوي، وهي رغبة لا تقل في خطورتها عن الرغبة في إطفاء نار الجوع!المشكلة تخص ملايين الشباب والشابات، خاصة في دول الخليج، حيث تقول الإحصائيات أن الخليجيات الأكثر عنوسة بين بنات العرب، الأرقام الرسمية تقول أن 35% من الفتيات في كل من الكويت والبحرين والإمارات بلغن مرحلة العنوسة، وانخفضت هذه النسبة في كل من السعودية واليمن وليبيا لتصل إلى 30%، بينما بلغت 20% في كل من السودان والصومال، و10% في سلطنة عُمان والمغرب، في حين أنها لم تتجاوز في كل من سورية ولبنان والأردن نسبة 5%، أدنى مستويات للعنوسة في فلسطين، حيث مثلت نسبة الفتيات اللواتي فاتهن قطار الزواج( أو لم يصل بعد!) 1%، وكانت أعلى نسبة قد تحققت في العراق إذ وصلت إلى 85% . أما في مصر فقد وصلت نسبة غير المتزوجين من الشباب من الجنسين بشكل عام حوالى 30%، وبالتحديد 29.7% للذكور و28.4% للإناث.
الإحصائيات تقول أيضا أن العنوسة لا تقتصر على النساء فقط، فهناك نسبة كبيرة من الرجال يعانون من هذه الظاهرة، ففي سورية بيّنت الأرقام الرسمية أن أكثر من 50% من الشبان السوريين لم يتزوجوا بعد، بينما لم تتزوج 60% من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين 25 و29 عاماً.!!ربما يبدو الكلام مفاجئا، ولكن علينا ان نتذكر ان أحدا في أمتنا وعبر تاريخها الغابر لم يكن مسموحا له أن ينام وحيدا، ولتنذكر أيضا هنا قصة سعيد بن المسيب أحد كبار تابعي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كره لأحد تلاميذه الفقراء أن ينام وحيدا بعد أن ماتت زوجته فزوجه ابنته بدون مهر تقريبا علما بأنه رفض أن يزوجها لابن "أمير المؤمنين" وهذه قصة تروى..
تنقل أمهات الكتب الإسلامية عن كثير بن عبد المطلب ابن أبي وداعة قوله: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً فلما جئته قال: أين كنت? قال: توفيت زوجتي فاشتغلت بها، فقال: ألا أخبرتنا فشهدنا دفنها؟ قال: ثم أردت أن أقوم فقال: هل استحدثت امرأة (أي تزوجت؟)، فقلت: يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة، فقال: أنا، فقلت: أو تفعل، قال: نعم، ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وزوجني على درهمين أو ثلاثة قال: فقمت ولا أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ وممن أستدين (ليتم عملية الزواج) فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي واسترحت وكنت وحدي صائماً فقدمت عشائي أفطر فكان خبزاً وزيتاً، فإذا بآت يقرع، فقلت: من هذا? قال: سعيد، قال: فتفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم يُر أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد فقمت فخرجت فإذا سعيد بن المسيب فظننت أنه بدا له (أي رأى رأيا آخر غير ما وعد من تزويج ابنته) فقلت: يا أبا محمد إلا أرسلت إلي فآتيك؟ قال: لأنت أحق أن يؤتى، قال: قلت: فما تأمر، قال: إنك كنت رجلاً عزباً فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذه امرأتك فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذها بيدها فدفعها بالباب ورده فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب، ثم قدمت إلى القصعة التي فيها الزيت والخبز فوضعتها في ظل السراج لكي لا تراه ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران (أي نادى عليهم لإشهار الزواج!)، فجاءوني فقالوا: ما شأنك? قلت: ويحكم زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم وقد جاء بها على غفلة، فقالوا: سعيد بن المسيب زوجك? قلت: نعم، وهاهي في الدار، قال: فنزلوا هم إليها وبلغ أمي فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام، قال: فأقمت ثلاثة أيام ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس، وإذا هي من أحفظ الناس لكتاب الله وأعلمهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق الزوج، قال: فمكثت شهراً لا يأتيني سعيد ولا آتيه، فلما كان قرب الشهر أتيت سعيداً وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تقوض أهل المجلس فلما لم يبق غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان، قلت: خيراً يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم!هذه هي قصة سعيد بن المسيب الذي كره لتلميذه أن ينام وحيدا، فزوجه ابنته بعد أن ماتت زوجته، مع العلم أن كتب التاريخ تقول أن بنت سعيد بن المسيب خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد بن عبد الملك حين ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف!ولئن كان هذا شأن ابن المسيب مع تلميذه، فما بالنا نسد الأبواب في وجوه شبابنا ونتركهم يتقلبون على فراش الحرمان، تصعيبا وتعقيدا لسبل الزواج؟ كيف نطلب من الشباب أن يكونوا أعضاء أسوياء في المجتمع وهم يعانون مما كرهه سعيد بن المسيب لتلميذه؟
.
.
.
.