قال ابن القيم في مدارج السالكين - (ج 1 / ص 193)
أمره الله بشكره لا لحاجته إليه ولكن لينال به المزيد من فضله فجعل كفر نعمه والإستعانة بها على مساخطه من أكبر أسباب صرفها عنه .
وأمره بذكره ليذكره بإحسانه فجعل نسيانه سببا لنسيان الله له, نسوا الله فأنساهم أنفسهم "نسوا الله فنسيهم"
أمره بسؤاله ليعطيه، فلم يسأله، بل أعطاه أجل العطايا بلا سؤال، فلم يقبل.
يشكو من يرحمه إلى من لا يرحمه، ويتظلم ممن لا يظلمه ويدع من يعاديه ويظلمه،
إن أنعم عليه بالصحة والعافية والمال والجاه، إستعان بنعمه على معاصيه.
وإن سلبه ذلك ظل متسخطا على ربه وهو شاكيه.
لا يصلح له على عافية ولا على ابتلاء: العافية تلقيه إلى مساخطه والبلاء يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته وشكايته إلى خلقه ...
دعاه إلى بابه فما وقف عليه ،ولا طرقه. ثم فتحه له فما عرج عليه، ولا ولجه.
أرسل إليه رسوله يدعوه إلى دار كرامته فعصى الرسول، وقال: لا أبيع ناجزا بغائب، ونقدا بنسيئة، ولا أترك ما أراه لشيء سمعت به .
ومع هذا فلم يؤيسه من رحمته بل قال:
متى جئتني قبلتك، إن أتيتني ليلا قبلتك. وإن أتيتني نهارا قبلتك.
وإن تقربت مني شبرا تقربت منك ذراعا. وإن تقربت مني ذراعا تقربت منك باعا. وإن مشيت إلى هرولت إليك.
ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة، ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. ومن أعظم مني جودا وكرما.
عبادي يبارزونني بالعظائم، وأنا أكلؤهم على فرشهم.
إني والجن والإنس في نبإ عظيم. أخلق ويعبد غيري. وأرزق ويشكر سواي. خيري إلى العباد نازل. وشرهم إلى صاعد.
أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم. ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي.!!!!!
من أقبل إلي تلقيته من بعيد. ومن أعرض عني ناديته من قريب. ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد. ومن أراد رضاي أردت ما يريد. ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد.
كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين.وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب.
ومن آثرني على سواي آثرته على سواه، الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. والسيئة عندي بواحدة فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له.
أشكر اليسير من العمل. وأغفر الكثير من الزلل .
رحمتي سبقت غضبي. وحلمي سبق مؤاخذتي. وعفوي سبق عقوبتي .أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها.
لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض مهلكة دوية، عليها طعامه وشرابه. فطلبها حتى إذا أيس من حصولها نام في أصل شجرة ينتظر الموت. فاستيقظ فإذا هي على رأسه قد تعلق خطامها بالشجرة.
فالله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته. وهذه فرحة إحسان وبر ولطف لا فرحة محتاج إلى توبة عبده منتفع بها .