فتنة يتخذها الناس سٌنة
عن ابن مسعود موقوفا وهو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم حكما أنه قال :
( كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير ويتخذها الناس سنة إذا ترك منها شيء قيل : تركت
السنة ؟ ) قالوا : ومتى ذاك ؟ قال : ( إذا ذهبت علماؤكم وكثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم وكثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم
والتمست الدنيا بعمل الآخرة وتفقه لغير الدين )
-
( رواه الدارمي ( 1 / 64 ) بإسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن والحاكم ( 4 / 514 ) وغيرهما )
فهذا الحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته فإن كل فقرة من فقراته قد تحقق في العصر الحاضر
ومن ذلك كثرة البدع وافتتان الناس بها حتى اتخذوها سنة وجعلوها دينا يتبع فإذا أعرض عنها أهل السنة حقيقة إلى
السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم قيل : تركت السنة
وهذا الحال مطبق الان فى كثير من دول العالم الاسلامى اليوم
قال القاضي عياض: "أذِن الله في دعائه، وعلَّم الدعاءَ في كتابه لخليقته، وعلَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم الدعاءَ
لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه
صلى الله عليه وسلم. وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام فقيَّض لهم قومَ سوء، يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها
عن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأشد ما في الإحالة أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين، فيقولون: دعاء
نوح، دعاء يونس، دعاء أبي بكر، فاتقوا الله في أنفسكم، لا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح
قال الكمال بن الهمام الحنفي (ومما تعارف عليه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتهار
لتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية لا إقامة العبودية؛ فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد... فاستبان أن
ذلك من مقتضيات الخيبة والحرمان).
وأضاف قائلا: (ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله بعض القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى
السؤال والدعاء وما ذاك إلا نوع لعبٍ, فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة أدى سؤاله بتحرير النغم فيه من الخفض
والرفع والتطريب والترجيع كالتغني نُسب البتة إلى السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة هو التضرع لا التغني).
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا
وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس اِربَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا
غائبا إنه معكم إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده . قال الحافظ في الفتح 6\ 135: قال الطبري: فيه كراهية رفع
الصوت بالدعاء والذكر، وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين.
وأخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) أنها قالت:
أنزلت في الدعاء
وقال الألوسي:
وترى كثيرا من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء خصوصا في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد,
وتستك المسامع
وتستد, ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين: رفع الصوت في الدعاء, وكون ذلك في المسجد, وروى ابن جرير عن ابن
جريج: أن رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء المشار إليه بقوله سبحانه ( إنه لا يحب المعتدين).
قال القرطبي 7/226 ( ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظاً مفقرة, وكلماتٍ مسجعة قد وجدها في
كراريس لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره, ويترك ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكل هذا يمنع
استجابة الدعاء).
جاء في سنن أبي داود أن سعد بن أبي وقاص سمع ابنا له يدعو ويقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها
وكذا وكذا, وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا, فقال: يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء. فإياك أن تكون منهم إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها وإن أعذت من النار
أعذت منها وما فيها من الشر.
-وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها (عليك بجمل الدعاء وجوامعه).رواه ابن ماجة والبيهقي- وهو صحيح
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على الاتباع، وليس لأحد أن
يسنَّ منها غير المسنون، ويجعله عادة راتبة يواظب الناس عليها، بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله، بخلاف ما يدعو به
المرء أحيانا من غير أن يجعله سنة".
روى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال: (إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت
رحمة).
وعليه.. فلم يثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا على عموم الكفار وإنما المحفوظ عنه الدعاء على قبائل أو
أشخاص بأعيانهم، بل لما جاءه ملك الجبال وعرض عليه أن يطبق عليهم الأخشبين؟ قال: لا، لعل الله أن يخرج من
أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً.
بل إنه لما أن دعا على بعضهم بأسمائهم نزل قوله تعالى (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم) فكف عن
ذلك.
وقال ابن تيمية: (...ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك كان بعد أن أعلمه الله أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن).
وقد أفتت اللجنة الدائمة 24/275: بما نصه
وقول الكاتب: (اللهم عليك بالكفار والمشركين واليهود، اللهم لا تبق أحداً منهم في الوجود, اللهم أفنهم فناءك عادا
وثمود).
والدعاء بفناء كل الكفار اعتداء في الدعاء؛ لأن الله قدر وجودهم وبقاءهم لحكمة, والله يفعل ما يشاء ويحكم ما
يريد .ا.هـ.
*وهاهنا يجدر التفطن إلى أن دعاء عمر رضي الله عنه في القنوت كان تخصيصا ولم يكن بإطلاق إذ كان نصه: (اللهم
عليك بكفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن دينك ويقاتلون أولياءك) وذلك ما جعل جملة من العلماء المحققين يؤكدون
على أن الدعاء على اليهود والنصارى جميعاً بالاستئصال, لا يجوز شرعا إذ هو ضرب من الاعتداء بالدعاء.
- قال ابن عثيمين " أما الدعاء بالهلاك لعموم الكفار، فإنه محل نظر، ولهذا لم يدع النبي صلى الله عليه وسلم على
قريش بالهلاك، بل قال:
"اللهم عليك بهم، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف".
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
منقول بتصرف