بقلم د. سلمان بن محمد بن سعيد
لكل مجلس فاكهته، وأنا أرى أن فاكهة مجالسنا هي الحديث عن الأخطاء الطبية، فكل من حصل له موقف أو سمع بموقف وقع فيه خطأ جراحي تجده يردد أو يلوك تلك الفاكهة مستمتعاً ومتصدراً كل مجلس يحضره بفرض تلك الفاكهة على كل المواضيع والأحاديث، بالإضافة تارة والتضخيم تارة أخرى فتضيع الحقيقة بين هذا وذلك، فتصدق المقولة الشهيرة بأن آفة الأخبار رواتها.
وأقول أو أنقل عن تجربة عملية صورة عما يحدث في غرفة العمليات لتفادي الأخطاء التي لا يقع فيها إلا من هو معصوم عن الخطأ، وهي صورة وحقيقة يجهلها كثير من الناس ويعرفها الأطباء، بدءا من طبيب التخدير، الذي يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية وبالأخص إن لم يفق المريض من البنج، يليه أو بالأحرى يساويه الجراح الاستشاري وبقية الطاقم الجراحي، حتى طبيب الامتياز.. وطلبة الطب المتدربون يعرفون ذلك، والحقيقة هي وجود ممرض أو ممرضة على رأس المريض المخدر وبجانب طبيب التخدير والجراح، تحمل (طبشورة) وأمامها سبورة أو (تخت) كما قال سعيد صالح في مدرسة المشاغبين، وظيفتها عد وتسجيل كل ما يستعمل في تلك العملية، بكتابته على السبورة، وتحمل الممرضة باليد الأخرى ممسحة للمسح وتسجيل كل جديد، ومنظرها في مكان العملية يذكرك بالمعلم المخلص والمنهمك في عمله، فهي إما تكتب على السبورة أو تمسح، وعادة لا تتم الموافقة على انتهاء العملية أو تقفيل الجلد ونحو إو إفاقة المريض من البنج إلا بعد إشارة منها، كإشارة برج المراقبة للطائرة قبل الهبوط أن اهبطي، وأتذكر في إحدى المرات كيف أن تلك الإشارة لم تعط بسبب قطعة شاش سقطت من الجراح فاستقرت تحت قدمه، لم يشعر بها لانهماكه في العملية الجراحية، ولأنها أيضا (قطعة الشاش) مستهلك ويرمى (بعد عده وكتابته على السبورة) إلا أنها (مسؤولة عد الأدوات الجراحية والشاش) كانت تتذكر قطعة الشاش المفقودة، فهي عهدة يجب أن تستردها أو تعرف أين مصيرها، فأخذت (تحوس وتدوس) بحثا عن قطعة الشاش المفقودة، والجراح يتصبب عرقا، ويتساءل مالذي حدث ولماذا لاتعطيني مسؤولة أدوات الجراحة والشاش الإشارة المتعارف عليها بالموافقة على إنهاء العملية، وهو موقف يذكرني بطائرة لم تستطع الهبوط لأن الشاشة التي أمام قائد الطائرة ومساعده في غرفة القيادة لم تشر إلى نزول الكفرات أو العجلات استعدادا للهبوط، فما كان من الطيار إلا أن ينتظر توجيهات برج المراقبة وهو يحلق على علو منخفض (جيئة وذهابا) إلى أن جاءه التوجيه من برج المراقبة أن اهبط بسلام.
فبرج مراقبة المطار كان يرى كفرات الطائرة في وضعها الطبيعي للنزول، وما حدث هو خلل في شاشة غرفة القيادة، فهبطت الطائرة بسلام، كما حدث عندما وجدت قطعة الشاش المفقودة تحت قدم الجراح، وبالتأكيد قد يقول بعضهم أن قطعة الشاش كانت منسية في بطن المريض، نسيها الطبيب الجراح كما قيل قبل ذلك في قصص المشارط التي تنسى في بطون المرضى، ليس هذا فحسب، بل يتحول المشرط أو المقص الصغير (مسكيتو سزر) إلى محش كبير!!..