مليء الدنيا وشاغل الناس لم يعرف التاريخ العربي شاعراً مثله في رصانة الشعر وحبكته وسرعة البديهة وقدرته على قرض الشعر بيسر وسهولة ودقة متناهية وفي زمن قياسي شعرة مليء بالمعاني البديعة الآسرة ويمتاز بالكبرياء والأنفة والشموخ ومجانبة اللهو والهزل .
كيف قتل ؟
قيل أن سبب قتل أبو الطيب المتنبي هو خلاف حدث بينه وبين عضد الدولة بسبب انتقاد أبو الطيب له ووصفة بالبخل وأن سيف الدولة أكثر كرما منه . مما أوغر صدر عضد الدولة عليه فأرسل له قوماً قاموا بقتله وقيل أنه حين خرج من مجلس عضد الدولة محملاً بالهدايا والمنح وأراد السفر طلب حراس الذين سيقومون بمرافقته وحمايته خمسين درهماً لكل واحد منهم للسفر معه وحمايته لكنه رفض ذلك بسبب بخلة الشديد واعتقاده بأن الحراس أرادوا استغلاله وابتزازه وسافر وحده فوقع له ما وقع حين أعترضه جماعة من قطاع الطرق وقاموا ينهبه وقتلة .
مع أن الرواية الأقرب إلى الصحة هي ما أجمع كثير من المؤرخين على ذكرها من أن قاتله هو شخص يدعى فاتك بن جهل الأسدي والرواية تقول .
أن أبن أخت فاتك الأسدي ويدعى ضبه بن يزيد العتبي كان مسافراً إلى الكوفة هو وعائلته وبينا هو في الطريق اعترض له قوم من الأعراب من قبيلة كلاب ودارت بينهم معركة قتل على أثرها والد ضبه وسبيه أمه .
كان ضبه العتبي مشهوراً ببذاءة اللسان وبالغدر حتى بضيوفه ولعل ما حدث له هو نوع من الانتقام منه بسبب ذلك وفي يوم من الأيام مر قوم من أشراف الكوفة من أمام مضارب ضبه بن يزيد العتبي الذي كان متحاملاً على أهل الكوفة بسبب مقتل والده فتعرض لهم يشتمهم بأقذر الألفاظ وجاهر بذلك الشتم وكان لذلك التصرف أسوأ الأثر في نفوس أشراف الكوفة الذين لجئوا إلى أبي الطيب المتنبي لرد اعتبارهم فأنشد قصيدته المشهورة
(( ما أنصف القوم ضبه ))
فكانت من أفحش القصائد التي قالها أبو الطيب المتنبي في حياته حتى قيل أن أبي الطيب كان يكره سماعها إذا رويت له وقد تعرض فيها لوالدة ضبه فوصفها بأقذر الصفات وأسوأها وكانت هذه القصيدة السبب الرئيسي لمقتله .
حين علم خال ضبه المدعو فاتك بن جهل الأسدي داخلته الحمية لكون القصيدة تعرضت لأخته بالقبح فأضمر الشر لأبي الطيب وأقسم بالانتقام منه .
كان أبو الطيب في ذلك الوقت في مدينة شيراز وفي طريق عودته إلى بغداد كان معه بغال محمله بالهدايا والطيب والكتب الثمينة والخلع النفيسة وحين اقترابه من منطقة تسمى دير العاقول خرج عليه فاتك بن جهل مباغته ومعه جنده فهاجموا أبو الطيب المتنبي وعملوا تقتيلاً في قومه ويقال بأن أبو الطيب المتنبي حاول الهرب لما أحس بالهزيمة لولا أن أحد غلمانه جابهه بقوله :
سيصفك الناس بالجبن لو هربت وأنت القائل :
الخيل والليل والبيداء تعرفني = والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فعاد أبو الطيب إلى المعركة فقتل مع ولده محمد وكثير من جماعته ونهبت أمواله . وكان مقتله في رمضان بتاريخ 28 من عام 354 الموافق 27 أيلول 965 .
[LINE]hr[/LINE]