قيس حارتنا
( قصة قصيرة1424هـ )
كان ( سعود ) على فراشه يحلم في يقضته بابنة الجيران ( أحلام ) التي شغفته حبا كاد أن يذهب بعقله ، يحلم بأنفاسها العطرة تداعب خده وتربت بيدها على نحره ، حينها تأوه فأطلقها مع أنفاس حارة شغوفة فقال في نفسه : ألا ليت الأحلام تتحقق ، ولم تزل عيناه مرتكزة على سقف غرفة نومه الرخامي عندما جال الشيطان برأسه فبث فيه أفكارا شيطانية ، فقال في نفسه : ليتني أستطيع رؤيتها الآن ، ليتني أعرف في أي غرفة تنام فأتسلق جدار منزلها وأراها مرتمية على فراشها حاضنة وسادتها ، ولكن عاد بتفكيره للصواب فقال : ولو رآني أحد أهلها ماذا سيفعل بي ، وتخيل المشهد ومر سريعا أمام عينيه كومضات ، رأى كيف يضرب حتى يدمى جسده ثم يسلم للشرطة فتجره الشرطة بتهمة السرقة أو بتهمة أكبر منها فينتهي به المطاف للسجن والسجن لا يرحم خاصة وأنه طري العود لم يتجاوز عمره السادسة عشر ، فطرد تلك الأفكار عن رأسه ، لكن وبلمحة بصر عاد يفكر في جمالها وتدلي شعرها المتموج عندما رآها أول مرة فوق سطح منزلها وهي تنشر الغسيل وكان يراقبها خفية من سطح منزله ورأى جمالها ووسع عينيها وتموج شعرها رآها كما هي لابسة روب منزلي محتشم وتدندن بأغنية لم يفهم منها شيئا لأن صوتها كان خافتا أو أنها أرادت فقط أن تغني لنفسها ولا يشاركها أحد بذاك الصوت الرخيم العذب الهادىء ، لما أن رآها تلك المرة أحس بأن عقله لم يكن له وأن روحه انسلخت عن جسده وتنكرت له وحتى قلبه شعر به ينساب من بين أضلعه كقطرات ندى تتساقط عن أوراق الشجر بعد ليلة باردة ، ردد في نفسه وقتها : يا لجمالها ، أيعقل أن يكون في الدنيا كمثل هذا الملاك ، لكن لما نزلت عن السطح أصيب بخيبة أمل كبيرة فهو لم يشبع نهمه ولم يروي عينيه الظمأى وشعر أنه أتعس مخلوق في الدنيا فكيف هذا الجمال بجواره ولم يره أو يسمع به من قبل ، ولظنه أنه لن يراها مجددا خرج من مخبئه وأقام صلبه وظل يتجول على السطح يناظر هنا وهناك بحسرة وألم ، وما هي إلا برهة حتى عادت من جديد وكان في مكان لا يستطيع معه أن يختبئ ، فلما رأته ولت هاربة مذعورة ، في ذلك الوقت أعجب بها وبحيائها وظل هذا الإعجاب ينمو حتى صار حبا يتيما من طرف واحد ، ثم نما هذا الحب وأصبح شغفا وتيه وهيام فقد كان يفكر فيها ليل نهار وهو يأكل وهو يشرب وهو يسير ذاهبا للمدرسة أو وهو عائد منها حتى أثناء شرح المعلمين لم يكن يرى إلا طيفها ولا يتخيل إلا صوتها كان يكتب فيما بين الحصص اسمها على لوح الدرس ويرسم حوله قلب مطعون بسهم وحفر اسمها على طاولة الدرس الخشبية وكتبه في الكتب المدرسية وبين جنبات دفاتره لقد نقش اسمها على ساعده ولم يكن يخفيه عن الزملاء ، بل حتى عندما يجلس مع رفاقه لا يحدث إلا بها ، فيختلق القصص الغرامية والمقابلات السرية ، لقد صورها لهم في أحسن صورة ونزهها أجل تنزيه ووقرها أكبر توقير ، يجعلها تارة ملائكة منزلة من السماء وتارة أخرى يتحدى بجمالها الفنانات والممثلات والمطربات صورها أجمل من ( نانسي عجرم ) ، و( ديانا حداد ) و ( أليسا ) ، و ( شادية ) أيام شبابها ، ووصل به الحد أن تحداهم بأنها أجمل من ( مارلين مونرو ) ولم يزل كذلك حتى جن بها وتمناها زوجة أو حبيبة أو خليلة - أي شيء - المهم أن يتملك زمام أمرها وتكون له لوحده دون كل البشر حتى من أهلها ، لكنه عاد وقال في نفسه : ليتني أستطيع رؤيتها مرة أخرى وتمنى وقتها لو كان يمتلك ( كوفية ) سحرية تخفيه عن عيون الناظرين فيذهب لبيتها ويشاهد كل حركاتها وسكناتها ويسمع كل همساتها ، لكنها الأماني وكيف للأماني أن تتحقق ، ثم تمنى أن يكون ساحرا يطوف عليها متخفيا مختفيا يطير بأجنحة من نور فيجول معها أينما ذهبت وحيثما ارتحلت ، لكنه عاد وقال : هي الأماني وأنا للأماني أن تتحقق لولا معجزة ، ولم يكن وقتها يفكر في شيء من الدنيا بغير ( أحلام ) التي ظل جل ليله يحلم بها وهي مرتدية أنواع الفساتين وهي تداعب شعرها في غنج ودلال وتتمايل بجيدها تارة نحوه وتارة مبتعدة عنه في رقة وأنوثة ودلال ، وللحظات كمن أفاق أحس ببرودة قادمة من الخارج عبر نافذة غرفته المفتوحة وكانت الغرفة شبه مظلمة إلا نزر يسير من إنارة الشارع المتسلل عبر النافذة وتذكر وقتها أنه يعاني من أزمة ربو حادة والهواء البارد قد يسبب له الزكام وحينها سيعود معه عذاب الربو وآلامه الحادة ، فقام من فراشه متوجها نحو النافذة مد يده للخارج وأراد سحب النافذة ليوصدها لكنه رأى نورا متوهجا قادم من السماء التي تلبدت بسحب متفرقة أخفت جزءا من قمر ليلة أربعة عشر وخيل إليه أن النور يجر معه السحاب نزولا لناحيته فغر فاه وقال في دهشة مم رأى : ما هذا ؟
أجابه صوت مخيف أشبه بالرعد : أنا من يحقق الأماني .
تراجع قليلا للخلف مرتعبا خائفا من هول ذاك الصوت ، وحينها بزغت ( أحلام ) في فكره مجددا فرمى الخوف خلف ظهره وأخرج رأسه وطرفه العلوي لخارج النافذة ونظر للنور الذي ألتف حول سحابة كبيرة ، فقال : أأنت من تحقق الأماني ؟
أجابه الصوت : نعم ، أنا هو !
قال : كيف تحققها ؟
فقال الصوت : ألا تريد أن يكون لك أجنحة وتكون غير مرئي للبشر ، فتستطيع أن ترى ابنة جيرانكم وحبيبتك ( أحلام ) ؟
قال : نعم هذا ما أريد ؟
قال الصوت : سيكون لك ذلك .
قال : وكيف ذلك ؟
أجابه الصوت : بمجرد أنك تلقي بنفسك من النافذة ، ستتحول إلى شخص آخر بأجنحة من نور ولن تكون مرئيا بتاتا .
قال : ولكن قد أسقط قبل أن أتحول .
قال له الصوت : سأجعل تحت نافذتك سحابة تحملك وأنت تطير تمسك بك وتحميك من السقوط ، لا تخف وسوف يتحقق ما حلمت به ، ثق بي ولن أخذلك .
تردد قليلا ثم استجمع قوته ووضع رجليه على حافة النافذة ، وتردد مرة أخرى ولكنه تذكر ما قاله وهو يفكر في ( أحلام ) حينما قال لابد من معجزة ، وهاهي المعجزة أتت دون أن يسعى إليها ، ثم رمى بنفسه من النافذة وهوى بسرعة شديدة فرأى النور يحفه ثم ظلام مطبق غيبه عن الزمان والمكان .
خرج العم ( علي ) على عادته في مثل هذا الوقت لأداء صلاة الفجر وبينما كان يمشي متوكئا على عصا يدفعها أمامه إذ ارتطمت عصاه بشيء رخو ، توقف وقتها وخفض بصره للأرض فوجد ( سعود ) ابن جيرانهم جثة هامدة ملطخ بدمائه وعيناه شاخصتين للسماء فردد قائلا ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) .