سفاح حارتنا
خرج العم صابر من بيته قبل الفجر باغيا المسجد وبينما كان يسير إذ رأى جمعا بجانب منزل أبو حمزة وكان باب بيت أبو حمزة مفتوحا على مصراعيه توجه نحو الجمع وبعد أن سلم قال : خير إن شاء الله .
قال أحدهم : توفي الطفل حمزة الليلة ، صبر الله والديه .
قال العم صابر بنبرة أسى : لا حول ولا قوة إلا بالله ، عظم الله أجركم فيه .
قالوا : جزاك الله خير .
وفارقهم متوجها للمسجد يهلل ويسبح ويستغفر وهو يتكئ على عصاه ، وتذكر حمزة ذاك الطفل البريء النقي الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره ، والذي كان وحيد أبويه والذي رزقا به بعد معاناة طويلة فقد استمر زواج أبو حمزة سبع سنين عجاف لم ير بوادر حمل على أم حمزة حتى جاءهم حمزة بعد أن أوشكوا أن يفقدوا الأمل بإنجاب ذرية فتجدد الأمل مرة أخرى وابتسمت لهم الحياة بعد صدودها ومرارتها فقال في نفسه : صبر الله والديه ، ورزقهم الذرية الصالحة وعوضهم خير منه .
بعد صلاة الفجر صلوا صلاة الميت على حمزة وتوجه معهم العم صابر مشيعا حمزة لمثواه وقبره ، وبينما كان يسير خلف الجنازة إذ رأى رجلا يعرفه مخبئا وجهه تحت وشاحه مستغرقا في البكاء يجهش بصوت مكتوم وكأنه من أهل الميت ، غير أن العم صابر يعرف أن الرجل لا يمت لهم بصلة لا من قريب ولا من بعيد سوى أنه جار أبو حمزة لا غير ، وكان ذاك الرجل على وضعه ذاك حتى بعد أن دفن الطفل وانهال التراب عليه لم يمل ولم يكل من البكاء متسترا خلف وشاحه حتى لا يراه الناس باكيا ، فتقدم إليه العم حمزة يدفعه فضوله فقال له : يا عمر هون على نفسك يا رجل .
فرفع بصره إلى العم صابر وكانت عيناه متورمتان منتفختان حمراوان كأنها تقطر دما ، فقال وهو يمسح دمعه : لا حول ولا قوة إلا بالله .
العم صابر : صبر الله والديه .
عمر : وكتب لهم الأجر والثواب .
صابر : لماذا تقسو على نفسك هكذا ؟
عمر : ماذا تقصد ؟
العم صابر : بكائك هستيري وغير طبيعي ، مع عدم وجود قرابة بينكما أنت وأبو حمزة .
عمر : أبو حمزة جاري ، وقد حزنت لأجله فقد جاءهم هذا الطفل بعد مشقة وحرمان أعواما طويلة .
العم صابر : كلنا محزونون ، أما أنت فكأنك ثكلى تبكي وليدها .
عمر : إلى ما ترمي ؟
العم صابر : لا بد أن لك قصة .
عمر : دع عنك هذه الأوهام ، لا توجد قصة ولا شيء فقط كما أخبرتك حزنت لموت الطفل ، ثم أني أهال أمر الموت والقبر والحساب فلماذا لا تقول أن بكائي لنفس المصير الذي ينتظرنا جميعا ؟
العم صابر : أشك في أمرك !
وتركه وانصرف مع القوم آيبون لدورهم بعد أن نفضوا أيديهم من تراب القبر ومن حمزة .
بعد أيام خرج العم صابر للمسجد قبل صلاة الفجر بساعة ناويا أن يصلي ركعات من قيام الليل كعادته وعندما وصل للمسجد وجد بابه مفتوحا والأنوار مطفأة ، دخل للمسجد يتحسس الجدار يبحث عن مفتاح الأنوار وقبل أن تصل يده للمفاتيح سمع صوت بكاء بداخل المسجد وسمع صوت يقول : اللهم خلصني من الذي بي أو خذني أخذ عزيز مقتدر .
أرتعش العم صابر لسماع تلك الكلمات ومد يده لمفاتيح الأنوار وأضاء إنارة المسجد وتلفت بالمسجد فرأى رجلا وسط المسجد يجلس القرفصاء قد كتم جهيشه فتوجه نحوه ملقيا التحية فرد سلامه فعرف أن الرجل هو عمر ، فصلى العم صابر ركعتين قصيرتين ثم توجه نحوه جلس أمامه وقال : ما الذي يعصر قلبك يا عمر ، ويجعلك تدعي على نفسك بالهلاك ؟
قال : لو حدثتك بما يعصر قلبي ويحرق بقية متبقية بحشاشتي ، أتعدني أن تكتم السر فلا يتعدى لغيرنا .
العم صابر : أعدك .
فتربع عمر وقال : قصتي تبدأ منذ ذلك اليوم الذي وجدتني فيه في جنازة ابن أبو حمزة وسألتني عن سر بكائي ولم أصدقك القول فيه فمساء ذلك اليوم كنت خارج الدار وحضرت للدار بعد صلاة العشاء ومعي أغراض للمنزل وعند دخولي استقبلني أطفال كثر بداخل داري ورأيت أحدهم لم أره من قبل كان طفلا صغيرا لم يتجاوز الرابعة جميل ببشرة بيضاء وعينين وسيعتين وشعر أسود كالليل مسدول حتى شحمة أذنيه ومما زاده جمالا وإشراقا تلك الملابس الثمينة النظيفة وخفيه الملونة ذات أنوار كلما خطا بها خطوة أضاءت ، ولما رأيته بين الأطفال كأنني رأيت ملكا يسير بين القرود فانحنيت إليه أريد لثمه لكنه هرب مني وتمنيت أنه أبني ، ولم أسم وأبارك ، وعندما حضرت زوجتني وجدتني لدى الباب أعطيتها الأغراض وقلت لها أولاد من هؤلاء فقالت : أولاد جاراتها الآتي حضرن لزيارتها ، ثم أردفت : إنهن على وشك المغادرة ، فتوجهت لغرفة من الغرف حتى خرجن ، وقضينا ليلة هنيئة حتى كانت الساعة الثانية ليلا إذ أيقضني صوت بكاء عنيف لطفل ابن جاري أبو حمزة ولم أكن أراه من قبل ، ولما اشتد البكاء أفاقت زوجتي وطار النوم من أعيننا فجلست أسألها عن هذا الطفل وأنني أسمع به ولم أره من قبل ، فقالت : كان عندنا اليوم مع أمه .
فسألتها : أيهم هو ؟
فوصفته فإذا هو ذاك الطفل الذي رأيته وأعجبني جماله وهندامه ، وسألتها ما يبكيه في هذا الليل قال : لعل به مغص أو ما شابه ، فالأطفال أمراضهم كثيرة .
وعندما خرجت لصلاة الفجر من تلك الليلة وجدت أناس بجانب باب جاري أبو حمزة فسألتهم عن سبب وقوفهم بهذه الساعة المتأخرة فأخبروني أن حمزة مات ، حينها علمت أني قتلته بعين حاسدة .
ثم اخذ عمر يجهش ببكاء مرير هنيئة فربت العم صابر على كتفه بحنو قائلا : لعلك واهم يا عمر والموت من أمر ربي .
قال وهو ما يزال يبكي : لم تكن أول مرة أقتل فيها طفلا بالعين فلقد سبق أن قتلت أبن أخي حينما رأيته في ثياب العيد وأعجبني ولم أسم وأبارك ، وقتلت ابنة عديلي عندما رأيتها تجري وتمايل بضفيرتها الطويلة يمنة ويسرة فأعجبني شعرها ولم أسم وأبارك وكذلك زوجتي السابقة رأيتها وهي تمشط شعرها فأعجبني لونه الأسود ونعومته فدخل مشطها الحديدي في رأسها وقتلها ولو عددت لك من كنت سببا في موتهم لقلت عني سفاح .
العم صابر : يا عمر كل امرئ عيان ما لم يسم ويبارك فلماذا لا تذكر اسم الله وتقدم مشيئته عندما يعجبك شيء ما ؟
عمر : حاولت مرارا لكن لم أستطيع .
العم صابر : أما طلبت من أحد يصل عليك صلاة الميت ، فتخرج منك هذه العين الخبيثة ؟
عمر : أخشى أن يفتضح أمري ، فيهابني الناس وينفرون مني كما ينفرون من الأجرب ،. ثم سكت هنيئة وأردف : ألا تفعل لي معروفا وتصلي علي أنت يا صابر .
العم صابر مترددا : أظن أن الصلاة جماعة هي المطلوبة والتي بها يحصل المراد والله اعلم .
عمر : لكنك رجل فاضل تأتي للمسجد قبل المؤذن وكثير الصلاة والتسبيح فلعل صلاتك علي تخرجها للأبد ونكون قد دفنا هذا السر إلى الأبد أيضا .
العم صابر بصوت متقطع : لكن ... أخشى ...
عمر : لا تخشى شيئا مادمت تفعل الخير ، قل بسم الله ودعنا نتم هذا الأمر قبل حضور المؤذن ؟
العم صابر : لكن .. الجماعة ..
ومازال عمر يحاول إقناع العم صابر حتى وافق الأخير على مضض وإلحاح عنيف .
بعد برهة من الوقت حضر المؤذن ليؤذن لصلاة الفجر فوجد العم صابر ممدا على بطنه وحيدا في وسط المسجد تقدم نحوه أنحنى إليه وقلبه على ظهره فوجد عيناه شاخصتان قد فارق الحياة .