الرئيسية  +  لوحة التحكم  +  البحث  + استعاده كلمه المرور + تنشيط العضوية + طلب رقم التنشيط + التسجيل  +  تسجيل خروج
أقسام الموقع : واجهة الموقع  المنتديات دليل مواقع السيف القرأن الكريم مركز تحميل السيف   أسعار الإعلانات  أتصل بنـــا

مواقع صديقه : الخليج ألعاب حربيه شات دردشة دردشة صوتيهصور سيارات دردشة زفات اسلامية دردشة العاب دردشة

 

مسابقة السيف الرمضانيه


العودة   منتديات السيف اون لاين > المنتديات الادبيه برعايه عسوله > منتدى القصص القصيره > قسم الروايات

قسم الروايات للعيش بعالم لم نعشه ويبحر بالاحداث الواقعيه و الخياليه و الاجتماعيه و الرومانسيه و للافاده والعظه والتسليه

الإهداءات
تناتيف من شهر رمضان : كل عام وانتم بخير alooololo من من الدنيا : كل عام وانتم بخيررررررررررررررررررررر واللهم يجعلنا من الفائزين بهذا الشهر الكريم اشراقة امل من ملكـ : جزاك الله عني خير الجزاء..اللهم اغفر لجميع المسلمين الاحياء منهم والاموات انك سميع مجيب الدعوات مـــلـــكـ من اشرااااااق : عضم الله اجرك واحسن الله عزاك علي ميتكم وغفر له ان شاء الله نوف من من قلبي : السلام عليكم اتمنى انه ماحد يزعل مني راح اشتاق لكم اكيد لاني احبكم واحس انه صعبه علي اترك المنتده بس مضطره اتركه ليبية وافتخر من بيتي الجديد : كيفكم اخواني اعضاء منتدى السيف والله اشتقتلكم واحد واحد وخلاص انتهت الاجازة وبرجعلكم مثل الاول واحسن باذن الله تعالى فيض المخيله من بيته : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كل عام وأنتم بخيـر إن شاء الله الله يتقبل صيمانا وقيامنا إن شاء الله mmuatiri من من رزقه الله التفكر في مابين يديه من النعم فقد فتح له بابا عظيما من أبواب السعادة ومن ابتلي بالتحسر على ماينقصه من النعم : فقد فتح له باب عظيم من أبواب الشقاء (ألم يجدك يتيما فآوى.ووجدك ضالا فهدى. ووجدك عائلا فأغنى) الايه. ج(بينات81828)



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-11-2006, 07:27 AM   رقم المشاركة : 16 (permalink)
shaher
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher







  المستوى : shaher has a little shameless behaviour in the past

  الهيئه: الهيئه:

  علم الدولة: علم الدولة

  الحالة :shaher غير متواجد حالياً

 


إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher
 

My SMS
افتراضي

-8-
فضحك القوم مقهقهين مجددا وشاركهم شاهر بالضحك مقهقها هذه المرة فقد أدخلت القصص السرور لقلبه المكسور .
بعد أن انفض المجلس وغادر المدعوون لم يبقى في المجلس إلا شاهر الذي تركه الشيخ وأبناءه لينعم بقيلولة قصيرة قبيل صلاة العصر ، وحضر خادم من غلمان الشيخ زاهد وجلس على الأرض من طرف المجلس قال له شاهر : ما يجلسك على الأرض .
قال الغلام : أنا هنا لخدمتك إن احتجت لشيء ما .
شاهر : أدنو واجلس على الأريكة .
فاقترب الغلام وجلس على أريكة قريبة من أريكة شاهر الذي سأله : ما اسمك ؟
الغلام : خضر يا سيدي .
شاهر : كيف تجد أسيادك يا خضر ؟
خضر : هم أهلي يا سيدي .
شاهر متعجبا : وكيف ذاك ؟
خضر : إن عمي الشيخ زاهد أعتق جميع مواليه ويعاملنا كأبنائه .
شاهر : الشيخ رجل عجيب .
خضر : بل هو قلما تجد مثله هذه الأيام يا سيدي .
شاهر : رأيت ولمست كرمه وخلقه وتواضعه .
خضر : بل هو صفاته أكثر من ذلك .
شاهر : ألا تحدثني عنه يا خضر ، فأنا بالكاد أعرفه .
خضر : حاضر يا سيدي ، لكن قد يطول الكلام عن عمي الشيخ وأنت كما علمت قادم من سفر طويل ويحتج جسمك الراحة .
شاهر : يا خضر ، ليس في الدنيا راحة بل خلق الإنسان فيها في كبد ، وما الراحة إلا في الآخرة ، ثم إن اشتياقي لمعرفة خصال الشيخ لهو أشد من حاجة جسد يزول ويفنى للراحة .
خضر : كما تحب يا سيدي ، إن عمي الشيخ هو سيد هذه القرية وكبيرها ، وهو كما ترى فاحش الثراء واسع النعمة – قل ما شاء الله – يا سيدي .
شاهر : ما شاء الله تبارك الله ، اللهم زده ولا تنقصه .
تابع خضر : وهو ينفق بسخاء على من يعول ، وإنه ليعول أرامل القرية وأيتامها وفقراءها المعوزون ويكرم الضيف وابن السبيل ويخرج بنفسه يبحث عن أبناء السبيل ليضيفهم ويهون عنهم وعثاء سفرهم .
شاهر : وماذا عن تعامله ؟
خضر : هو رجل متدين ، يخشى الله ويتقيه ، وهو قاض يحكم بين الناس بكتاب الله وسنة نبيه ووهبه الله حكمة في القول والرأي فيأتيه شيوخ القبائل من شتى القرى يطلبون مشورته ونصحه ثم إنه عالم بالأثر والأنساب ، ومع كل ذلك وهبه الله تواضعا فريدا فهو يوقر الكبير ويحترم الصغير ولا يسفه قول الجاهل ، والحق أنه محبوب من الجميع كيف لا وهو يحن على الضعفاء ويأخذ لهم من الأقوياء .
شاهر : أو تحبونه أنتم غلمانه ومواليه .
خضر : لم نعد مواليه كما أسلفت لك ذكره ، نحن أهله ومثل أبناءه تماما ، وكيف لا نحبه بل إن الجميع يحبه وأنا أكن له حبا خاصا ، فقد مرضت يوما بالحمى فألزمتني الفراش ، فطببني بنفسه وسهر بجانبي حتى تماثلت للشفاء ، ولم أكن بذلك لأنني كنت في غيبوبة الحمى أهذي لكن عندما شفيت أخبرني رفاقي بذلك ، فذهبت إليه أشكره على صنيعه معي فرد علي قائلا : يا بني ، ما فعلته واجب علي وليس منة تمننت عليك بها ، وإن لأم أقم بما أقوم به من رعاية ونفقه فالله سوف يحاسبني على تقصيري ، يا بني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته ) وأنتم رعيتي لا أفرق بينكم وبين أبنائي من صلبي بحول الله وقوته .
تهد شاهر ثم قال : وكيف تجدون معاملة أهله وأبناءه ؟
خضر : أبناءه حذو حذوه ، ونساءه نخدمهم من وراء حجب ، فعمي الشيخ غيورا جدا ، فلا ندخل أكواخهن نحن الغلمان ولكن يقمن بخدمتهن فتيات الشيخ اللاتي كن جواريه فأعتقهن وزوج الغلمان بهن لكنهن طلبن البقاء عنده لخدمة أزواجه فوافق واشترط لهن أجرا كما لنا أجور .
ولقد سمعت من بعض الغلمان أن زوجة من زوجات الشيخ الأربعة سمعها الشيخ وهي تنتهر فتاتها قائلة لها : جارية وقحة .
فهجرها الشيخ حتى اعتذرت لفتاتها وأعطتها من العطايا ما يكفل أن يتراجع عن هجران الشيخ لها ، ولم أسمع بمثل ذلك الأمر من بعد بل إن الفتيات ليمتدحن أخلاق زوجات الشيخ وكرمهن وحسن ادبهن ، فبارك الله لعمي الشيخ ما رزقه من أهل ومال وولد ، فلقد تجمعت له الدنيا بزينتها ولم يركن لها بل لتجده يوزع على الفقراء فوق حاجتهم ليكفيهم السؤال والفاقة ، وإن في القرية من كان فقيرا معدما لا يجد قوت يومه فصار يملك العبيد والموالي – اللهم لا حسد – وكل ذلك من هبات عمي الشيخ جزاه الله كل خير الجزاء .
شاهر : إنه لحري أن يكون محبوبا على مثل تلك الخصال .
خضر : ألم أقل ذلك من قبل ، فمثله نادر الوجود كيف نحبه نحن غلمانه وهو يطعمنا مما يطعم نفسه وأهله ، ويكسونا مما يكسو نفسه وأهله ، وفوق ذلك نخدمه بأجر ، ويقدم لنا الهبات والعطايا ، إنه عمي الشيخ رجل نادر وحسب ولن تجد مثله مهما بحثت .
شاهر : ولماذا تدعوه عمك الشيخ ؟
خضر : يا سيدي ، هو يكره كلمة ( سيدي ) فقد قال لنا يوما لا سيد ولا مولى إلا الله هو ولينا وإليه المصير ونحن عنده سواء أبيض أو أسود ثم تلا قوله تعالى : ( لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) ، ثم أنه بعد أن قطع قلائدنا وأعتقنا خيرنا فمن يريد الرحيل فهو له ومن أراد البقاء في خدمته فله منه الطعام والكسوة وأجر عامل فاخترنا البقاء في خدمته ثم كما أخبرتك أعتق الجواري وخيرهن فاخترن البقاء وقال لنا : من وجد في نفسه رغبة الزواج زوجته بإحدى الفتيات ، فتقدم كل راغب فزوجه وجعل للفتيات مهورا ، وبنيت لهن الأعشاش .







رد مع اقتباس
قديم 11-11-2006, 07:29 AM   رقم المشاركة : 17 (permalink)
shaher
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher







  المستوى : shaher has a little shameless behaviour in the past

  الهيئه: الهيئه:

  علم الدولة: علم الدولة

  الحالة :shaher غير متواجد حالياً

 


إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher
 

My SMS
افتراضي

-9-
في كوخ خصص لنوم الضيوف في دار الشيخ زاهد الواسعة المتعددة أكواخها وعششها وكأنها قرية صغيرة ، كان شاهر يستعد للنوم في ليلة حالكة من منتصف الليل ، فتمدد شاهر على السرير وأغمض عينيه لكنه رأى شبحا واقفا يريد الانقضاض عليه بكلتا يديه فتح عينيه وعلم أنه مجرد خيال تراءى له ، فتمتم ببعض التعاويذ واستسلم للنوم وقبيل صلاة الفجر رأى في منامه يدين تمتد نحو عنقه ثم تضغط عليه بقوة شديدة كادت أن تخرج معها روحه فصاح بصوت مكتوم مخنوق واستغاث فلا مغيث أراد أن يقاوم لكنه كان عاجزا تماما ونظر للسماء مستجيرا بالله وفتح بصره فرأى أعمدة سقف الكوخ المتراصة عندها أحس بالنجاة وعلم أنه يحلم لكن اليدين المطبقتين على رقبته لم تنفك تضغط على عنقه بشدة تلفت يمينا ويسارا يريد رؤية هذا الذي يحاول قتله فلم يجد أحدا غيره ثم انتبه وعلم أن يديه هو تضغطان على عنقه فحرر رقبته من يديه وقام مذعورا قائلا : أيعقل أن يقتل المرء نفسه وهو نائم ؟ وأجاب عن نفسه قائلا : الله هو الحق العدل .
وانسابت دمعة حارة من عينية وجلس على السرير متفكرا ، وتذكر أنه رأى صورة في الحلم المزعج والكابوس الرهيب الذي أقلقه من منامه وعرف صاحب الصورة الذي ذكره بخطيئته الكبرى فانساب دمعه يجري وانتحب نحيبا مرا مفجعا ، في تلك الأثناء سمع صوت ينساب لمسامعه يقول : هون على نفسك يابني .
التفت لمصدر الصوت فرأى الشيخ زاهد الذي تابع : لنا رب غفور رحيم يغفر الذنوب ويستر العيوب .
ثم ربت على كتف شاهر بمحبة صادقة ونظر إليه بعين مشفق فأحس شاهر بنفسه تذوب في عيني الشيخ ورأى هالة من نور تشع من وجهه ولحيته ، وأحس بصفاء سريرة الشيخ التي عمرت بالإيمان والتقوى ، وأيقن بما قاله عنه غلامه خضر فأصبح يراه جليا بأم عينيه .
فأردف الشيخ : هون على نفسك يا بني .
شاهر بصوت متهدج : أذنبت يا شيخ ذنبا ، لا أظن أن الله غفره ، فقد أفسد علي حياتي وأقلق مضجعي ، وكدر عيشي وزادي .
الشيخ : إن الله غفار لمن تاب وآمن .
شاهر : لكن خطيئتي تلاحقني أينما حللت وارتحلت .
الشيخ : وإما يزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله .
شاهر : أيغفر الله لي ؟
الشيخ : إن الله لا يغفر إن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، إنه هو الغفور الرحيم .
شاهر : يعلم الله يا شيخ أنني أحببتك فيه حبا خالصا لوجهه الكريم .
الشيخ : أحبك الله كما أحببتني .
شاهر : وإني سمعت عن حكمتك ورجاحة عقلك .
الشيخ : هذا مما علمني ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر .
شاهر : وودت لو تسمع قصتي ، فقد أجد عندك حلا ومخرجا مما أنا فيه .
الشيخ : فليكن بعد الصلاة .
واتجها سويا لمسجد القرية لأداء صلاة الفجر وبعد الصلاة عادا للدار وعندما ولجا للمجلس وجدا غلاما ينتظر قدومهم قد أحضر طبقا به تمرات وثلاث أقداح بها حليب فجلسوا على حصيرة في وسط المجلس وقدم الغلام التمر والحليب وجلس معهم وشرعوا يأكلون من التمرات ويحتسون عليها من أقداح الحليب حتى انتهى الغلام من قدحه فاستأذن بالانصراف فأذن له الشيخ ووجد شاهر الوقت مناسبا لسرد قصته فقال : ألا تود سماع قصتي يا عم ؟
الشيخ : بل إنني في شوق لها .
ثم نظر الشيخ للأرض في استحياء بالغ وتواضع جم وأطرق ليستمع ، فقال شاهر : في الحقيقة يا عم ، لا أعرف كيف أبدأ ؟ لكنني لأرجو الله أن يوفقني في سردها فتفهمها مني وتعي مكنوناتها ، في بادئ الأمر أعود إلى قبل مولدي ، فقد اشترى والدي جارية حسناء كانت بكرا أسمها حبيبة ، وتولع بها جدا ، ولم يفض خاتمها غيره ، وكان قد وقع بها مرارا فهي مما أحل الله له مما ملكت يمينه ، ثم أحل به مرض أقعده عامين طريحا على الفراش ثم شفي ، وعلمت جاريته أنها حملت منه بعد شهر من مرضه ، لكنها لم تخبره بذلك لمرضه والحالة التي هو فيها ، وبعد شهرين إلى ثلاث ظهر على بطنها أثر الحمل فاستدعتها عمتي الحسناء عائشة وقالت لها : من أذن لك بالحمل أيتها الخبيثة ؟
قالت حبيبة : سيدي فقد شرط لعتقي أن أحمل يا سيدتي .
فقالت عمتي عائشة : ومن من هذا الخبيث الذي في بطنك أهو من صاعر زير الجاريات أو من غيره من الموالي ؟
قالت حبيبة : لا لم يمسني غير سيدي ، يا سيدتي .
قالت عائشة : ويحك يا فاجرة ، كيف تجرئين ؟
قالت حبيبة : هو أمر الله يا سيدتي ، وطالما رغب سيدي بابن مني وقد كتب الله له ذلك .
قالت عائشة التي اشتاطت غضبا ، لأنها قد مر على زواجها ثلاثة أعوام لم تنجب خلالها : يا لك من فاجرة ، تودين مقاسمتي في زوجي فتلصقين ابن الزنا هذا ليحمل أسم الشيخ ، قاتلك الله أيتها البغي .
قالت حبيبة : لا والله يا سيدتي ، ما أنا ببغي ولم أكن يوما ما كذلك ، وأقسم بالذي رفع السماء سبعا ووضع الأرض سبعا أنه لم يطأني ويفض خاتمي غير سيدي .
قالت عمتي عائشة : يا لوقاحتك ، وتقسمين .
فقالت حبيبة : لا أقسم إلا بالصدق والحق يا سيدتي .
فازداد غضب عمتي عائشة فقالت بلهجة كأنها الصراخ : لا أود سماع هذا الأمر بعد الآن ، وأقسم بالله إن أخبرت بهذا الأمر غيري لأقتلنك بيدي هاتين وأقتل أبنك بعدك ، أتودين أن تعرفي كيف أقوم بذلك .
ثم بسرعة خاطفة التقطت خنجرا على جدار الكوخ ولفت رقبة حبيبة بذراعها الأيسر ملصقة صدرها بظهر حبيبة ووضعت الخنجر الذي بيدها اليمنى على بطنها وقالت : هكذا ، وبكل سهولة أبغر بطنك فأخرجه وأزهق روحك .
فذعرت حبيبة أيما ذعر وخافت على حملها أيما خوف فتوسلت قائلة : يا سيدتي سأفعل ما يرضيك .
قالت عمتي وهي ما تزال على وضعها : أقسمي بأيمان مغلظ .
فأقسمت حبيبة بأيمان مغلظة .
فنحت عمتي الخنجر وتركت رقبة حبيبة وقالت مهددة متوعدة : وهناك ألف طريقة وطريقة لإزهاق روحك الوقحة ، كأن أدس لك السم في الطعام ، أو أخنقك بيدي وأنت نائمة ، أو أن أرضخ رأسك بصخرة أثناء منامك أو في يقظتك وأنت تعملين بالطحن والعجن ، أو أدفعك في التنور وأنت تخبزين ، أو أن أرسل من يقوم بدفعك في البئر ، وأكون قد قتلتك بيد بغيري ، ألا يا حبيبة الفجور لتفهمي أن هذا السر إن سمعته أذن من هذه الساعة غيري فلا تلومين غير نفسك ، فأنت قريبة مني وسيطالك غضبي وتحل نقمتي ، فاحذري ولقد أعذر من أنذر .
فقالت حبيبة وهي تنتحب : لك ما تشائين يا سيدتي .
فقالت عمتي عائشة : إذا أنت هكذا تعودين لصوابك ، وإن سألك سائل فادعي أنه لعبد من عبيدنا ، أفهمت ما أقول .
قالت حبيبة : نعم يا سيدتي ، فهمت ووعيت كل ما قلت لي .
وسلمت حبيبة بمصيرها ومصير ولدها ورأت أن تنسبه لغير أبيه وآلمها نظرات الناس لها أنها فاجرة بغي ، لكنها كانت واثقة أن الله لا يقبل الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده فالتجأت إليه تبث همومها وشكواها عاصمها ومولاها ، وعندما وضعت حملها أنجبته غلاما أسمر البشرة أفطس الأنف مجعد الشعر ، ولم يكن لأحد أن يدعي غير ما نسبته حبيبة ، فلما سئلت عن والده أجابت : صاعر ، وأقسم صاعر بالله جهد أيمانه أنه لم يطأ حبيبة في حياته فلم يصدقه أحد ، وظل الطفل عشرة أعوام في ظل والده عبدا مملوكا .
وفي يوم من الأيام وكان الطفل في العاشرة من عمره أخذه سيده الشيخ مذكور مرافقا له يحمل بعض أغراضه لحفلة زفاف في قرية قريبة من قريته ، وفي الطريق وجدا كهلا يسكن وحيدا في عشة منعزلة عن الناس من طرف الوادي وعندما رآه الشيخ وكان من المحسنين الذين يحبون فعل الخير والصدقة ناولني دريهمات ورغيف خبز وحفنة تمر وقال : ... وانتبه شاهر أنه أصبح يتحدث عن نفسه .. فتلعثم ثم قال : نعم يا عمي الشيخ أنا ذاك الطفل الذي تربى في بيت والده عبدا دون أن يدري هو أو والده عن الأمر ثم سكت برهة .. وتنهد بعدها فقال الشيخ زاهد : لا عليك يا بني ،، أكمل قصتك .
فتابع شاهر : ناولني دريهمات ورغيف خبز وحفنة تمر وقال : أعطها للناسك واطلب منه الدعاء .
فذهبت ناحية الكهل وقدمت له ما أعطاني سيدي وقلت : أدع لنا أيها الشيخ الجليل .
فتناولها مني ووضعها على حصيرة مفروشة بجانب عشته ثم التفت إلي قائلا : خذني إليه يا بني . وأشار لناحية سيدي .
فأمسكت ذراعه بيدي الغضتين وعاونته على النهوض وقدته لسيدي وعندما مثلنا بين يديه ، قام الكهل يدعوا لسيدي بالصلاح والطهر ومغفرة الرب ، ثم دعا له بالبركة في المال والولد ، وقال : أتسمح لي يا سيدي .
قال سيدي : تفضل ما تريد ؟
قال الكهل : ناولني يدك يا سيدي ؟
فناوله سيدي يده وهو يقول : أو تقرأ الكف ؟
فهز الكهل رأسه بالإيجاب ثم قال : لك من العمر المديد ، والمال الوفير ، وابنان أحدهما شرير ، والآخر غرير فرار كرار .
ثم التفت إلي قائلا : هات يدك ؟
فناولته يدي فتحسس راحتها ثم قال : ستعيش في عناء قد يطول ، وتجول في أرض الله وتصول ، تعلو لمراتب الشرف ثم تهوي ، تصارع الموت الأكيد ولا تموت ، وينقذك من الموت من قتلته ، لا تهنأ بسيادة حتى تعرف التوبة والإنابة ، تنهب منك سيادة أرضك فيسيدك عليهم آخرون ، ستعلو يا بني رغم الأسى ، وتتسيد رغم الذل والعار ، عدوك عضدك ، وأصدقائك الأعداء من حولك .
ثم التفت لسيدي وقال : لا تهنأ بابنك هذا أبدا بعد حين ، وعدوه في بيتك فأخرجه .
فقال سيدي : عفوا أيها الشيخ ، هذا عبدي وليس ابني .
فابتسم الكهل وقال : اعذرني يابني فأنا عجوز خرف ونظري لا يجاوز يدي .
ثم أمسك بيدي لأرجعه إلى حيث كان ففعلت وفي الطريق أستند على كتفي بقوة كادت أن تخلع كتفي وقرب فمه من أذني وأسرني بكلمات لم أفهم حينها معناها فقال : قريبا ستنقشع الظلمة وتفرج الغمة ويجلي النهار العتمة ، يا بني إياك والغضب ، إياك والغضب ، احذر الغضب .
ولما رجعت لسيدي سألني ما أسرني الكهل فأخبرته وارتسمت علامات تعجب في عينيه وبرقت بريقا لم أفهمه ثم قال : كذب المنجمون ولو صدقوا ، استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم ، يا غلام إن هؤلاء الكهنة يدَّعون الغيب الذي اختص الله بعلمه لنفسه وهذا شرك بالله وادعاء شيء من خصائص الله فلا تصدقهم واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) فالحذر الحذر من تصديق الدجالين والسحرة والعرافين فيما يدعونه من أمور غيبية لا يعلمها إلا الله .
ثم اطرق بعدها وكأن فكره مشغول بفكرة ما ، وفي الطريق لم يحدثني أو يداعبني كالمعتاد وكنت أنتبه إليه بعد غفلة مني وهو يحملق في وجهي وكأنه أول مرة يراني وعندما يشعر أنني انتبهت لنظرته الغريبة تلك يشوح بعينيه بعيدا عني ولقد كررها مرارا حتى دب الخوف في نفسي منه .







رد مع اقتباس
قديم 11-11-2006, 07:36 AM   رقم المشاركة : 18 (permalink)
shaher
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher







  المستوى : shaher has a little shameless behaviour in the past

  الهيئه: الهيئه:

  علم الدولة: علم الدولة

  الحالة :shaher غير متواجد حالياً

 


إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher
 

My SMS
افتراضي

-10-
وفي مكان الحفل حيث أصمت الطبول والدفوف أذني ولم أكد أسمع من يصرخ بجانبي رأى سيدي رجلا يعرفه فتوجه نحوه وتبعته حتى وصلنا ناحيته فصافح والدي بحرارة بالغة ثم دنا مني وطبع قبلة على رأسي ، ثم بعد ذلك تكلم مع سيدي مطولا لم أفهم ولا كلمة مما قالوه لشدة قرع الطبول وقتها ، ولكنني كنت في حيرة من تلك القبلة التي طبعها على رأسي صديق سيدي ، فلم يسبق أن رأيت حرا يقبل غلاما عبدا .
ثم عندما تفرقت الحشود وخبتت أصوات قرع الطبول ، لم يكن هناك إلا القليل من المدعوين وبعض العبيد يعملون في همة ونشاط لتجهيز رواحل الضيوف المغادرين ، إذ كنت وسيدي ننتظر تجهيز راحلتنا لنغادر مكان الحفل فأقبل رجل في عمر سيدي تقريبا واحتضن سيدي بحرارة ومودة بالغتين ثم مد يده لي مصافحا فصافحته بكلتا يدي وانحنيت عليها طابعا قبلة متصرفا بخضوع كأي عبد مكاني فأمسك يدي بقوة وشدها نحوه ثم انحنى وقبلها ثم شدني إليه ولثم جبيني وخدي ، ورفع رأسه نحو سيدي قائلا : ما جل أدب أبنك يا مذكور ، فما اسمه ؟
فقال سيدي : هو عبدي ، واسمه شاهر .
فنظر الرجل نحوي ثم تفحصني بعينين كادتا تخترق ملابسي ثم جسدي ثم قال : يا مذكور ، بل ابنك من لحمك ودمك .
قال سيدي : إنه عبدي يا ... وناداه باسم ... أظن أنني نسيته . ثم ضرب شاهر جبهته يحثها على التذكر .
الشيخ زاهد : دعك من الاسم ، أكمل يا بني .
فأكمل شاهر : وهو نتاج جارية حسناء أملكها من عبد لدي لقبناه ( بزير الجواري ) واسمه الحقيقي صاعر .
فقال الرجل : يا مذكور ، أعرضه على غيري من قصاصي الأثر فلا أظن أنني واهم أو مخطئ .
فقال سيدي : لا بأس ، سأفعل .
وغادرنا بعد أن جهزت رواحلنا ومازلت في عجب مما سمعت ، وتداركتني أسئلة حائرة جثمت على عقلي الصغير ، أيعقل أن يكون الشيخ مذكور والدي ؟ وكيف يكون ذلك ؟ فأنا عبد أسود من جارية سوداء وهو حر أبيض ، ولم أكن أعي شيئا من أمور التناسل والنكاح وقتها ، ورفضت الفكرة برمتها وقلت في نفسي : لعل صديق والدي كان يهذي كما يهذي من أصيب بحمى . ورجعت بذاكرتي لوالدي ( صاعر ) الذي لم أشعر بوجوده وأبوته وحنانه البتة ، فقد كان دائما يتجاهلني وكأنه لا يراني أمامه مطلقا ، وأحسست بكرهه نحوي وتعودت منه على تلك المعاملة ، فعللت نفسي بكلمات كنت أرددها في سري : ما نحن إلا عبيد ، يوم ما سيبيعنا سيدي ويفترق شملنا وعندها لن يطول الحزن كثيرا لأنه لم يكن يحبني أصلا فكيف أبكي على فراق من لا أحبه .
أما والدتي فكنت متولعا بها لحد الجنون فقلما افترقنا أنا وهي وكانت تعتني بي أيما اعتناء وربتني أيما تربية وهذبت أخلاقي منذ نعومة أظافري فعودتني على أدب القول وحسن الكلام وعلمتني أن أنبذ كل ما ينافي الأخلاق والدين والعرف ، وكنت أكثر ما أخشاه أن يفرق سيدي بيني وبينها فوالله إنه لهو الهلاك المبين أما والدي صاعر فهو لا يهمني أبدا .
وكنا نسير في الوادي قافلين لقريتنا وفي الأفق ارتسم خط أبيض ينبئ عن قدوم يوم جديد مشرق ، حتى إذا ظهر النور وأفاقت الطيور من أعشاشها وخرجت الدواب من أوكارها فتجلت تسبح الخالق تحت إشراقة شمس تجلت كضحكة أبدية هزيلة ، ما لبثت أن تقهقه ، وترسل أشعتها الوضاءة كخيوط ذهبية منسوجة من نور تصافح بها الكون من حولنا وكنت غارق في تأملي لذاك المنظر البديع من صنع الواحد الأحد الفرد الصمد ببهجة الطفولة العارمة التي تسابق الصباح وتنشد أهازيجها وأحلامها ، فقطع تأملي صوت سيدي حينما قال : يا غلام ، هل ذكرت لك أمك شيء عن والدك ؟
قلت في عجلة من أمري : من ؟ آه .. تقصد أبي صاعر ، لا ، لا ، هي لا تتكلم عنه مطلقا ، أظنهما متخاصمين يا سيدي .
فأردف سيدي : وكيف تجد صاعر معك ؟
قلت : لا يهتم بي ، ولا يهمه أمري ، أكاد أجزم أنه يكرهني كرها شديدا ، لا أعرف سببه .
فقال : آه فهمت .
وعندما رجعنا لقريتنا وكنت متعبا متهالك القوى أصابني من التعب والوصب ما الله به عليم فارتميت في حضن أمي كقتيل ونمت حتى بعد صلاة العصر وبعد أن أفقت من منامي وجدت والدتي جالسة أمامي تعجن لخبز العشاء فقالت لي : علم سيدي أنك نائم فأخبرته أنني سأيقضك فأبى علي ذلك وقال : دعيه يفيق بنفسه ولا تزعجيه وإذا أفاق أخبريه أن يوافيني في مجلسي بعد صلاة المغرب .
ويا بني لقد عجبت من تصرفه هذا ، فما الذي حدث أثناء ذهابكم لحفلة الزفاف ؟
فقصصت عليها كل ما جرى من بداية الكاهن حتى عدنا ، فرأيت وجهها شاحبا وكأنه خال من أي تعبير سوى الخوف ، ولم أفهم لم كان هذا الخوف على وجهها ، فقلت لها أريد تسليتها : لقد ظن الناس أني أبنه وكأنهم عمي لم يفرقوا بيننا في اللون والشكل ، أليسوا بحمقى هؤلاء الناس يا أمي ؟
فقالت : كفاك تجرأ على من هم أكبر منك ، والزم حدود الأدب مع الغير حتى وإن كانوا غائبين عنك ، فأنا لا أحب أن يكون ولدي سليط لسان .
وبعد صلاة المغرب كنت جالسا بعتبة باب المجلس أنتظر قدوم سيدي من المسجد ، ولم يطل انتظاري حتى حضر برفقة أربعة رجال لم أرهم من قبل ، فأدخلهم سيدي للمجلس بينما كنت أنتظر خارجا ، ثم تبعهم عبد بالقهوة والتمر ولم يطل مكوثه لديهم حتى خرج وقال : أدخل سيدي يريدك .
وعندما دخلت المجلس أشار لي سيدي بالاقتراب أمام الضيوف وأمرني بالجلوس ففعلت فيما كانوا يحملقون في وهم يحتسون القهوة ، حتى غمز أحدهم لسيدي فأمرني أن أضع ثوبي ففعلت ولم يبق على جسدي غير سروال قصير لا يستر غير عورتي المغلظة ، عندها تسلل الخوف إلى قلبي وخشيت أن سيدي ينوي بيعي لأحد هؤلاء الرجال فيفرق بيني وبين أمي ، وبينما كنت أخمن من سيكون سيدي الجديد من هؤلاء الأربعة ، إذ أمروني بالدوران ببطء شديد رافعا ذراعي للأعلى ثم أمرني أحدهم بالدنو منه حتى كنت بين يديه فأمسك بعظمة ترقوتي وتحسسها مليا ثم برقبتي ومرفقي وكاحلي ولم يترك عظمة في جسدي إلا وتحسسها ودفعني لرجل آخر بجانبه ففعل مثل ما فعل الأول ومازالوا يدفعونني من رجل لآخر حتى رأيت سيدي الصغير ( حسن ) وكان يصغرني بعامين ، وهو أبيض البشرة قريب للصفرة ذو عينين واسعتين برموش طويلة وخدين نحيلين وأنف صغير حاد وفم صغير تحفه شفتين حمراوين كأنها تقطر دما وشعر أسود من الليل أسدل حتى شحمة أذنيه ، ومن شدة جماله ليظنه الرائي لأول وهلة أنه فتاة ، وكان هزيلا لكن صحته جيدة تنم عن نشاطه وسرعة حركته وكأنه نحلة طنانة تجوب الحقول ، وكان وقتها بجانب باب المجلس واضعا يده على فمه يضحك على منظري العاري باستهزاء بالغ وسخرية واضحة فابتسمت له كناية عن رضاي فانتبه سيدي فزجره وطرده ورأيته يولي هاربا ، عندها قال أحد الرجال مخاطبا رفقته : لقد بات الأمر جليا ، أليس كذلك ؟
فقال آخر : لا أحد يستطيع التشكيك فيه البتة .
وقال ثالثهم : من شكك فيه أو نفاه ظالم لنفسه .
فرفع رابعهم بصره نحو سيدي ثم قال : إنه لقول فصل بلا ريب أو هزل ، وإن غلب عليه دم الأم ، وإنا نجزم بأنك الفحل .
ثم التفت للثلاثة الآخرون وقال : فما تقولون ؟
قالوا : قولك الحق وما علمنا غيره أحق .
عندها نظرت لسيدي وكان يشتط غضبا وكأن عينيه ستخرج من رأسه وقال بصوت متهدج مكبوح : جارية لعينة .
ثم أشار لي أن أدنو منه فدنوت فمسح على رأسي وقبل خدي لأول مرة في حياتي وقال : البس ثوبك واستدعي أمك لتوافيني في الحال .
أخذت ثوبي وخرجت أجري حتى وصلت لأمي وأخبرتها أن سيدي يريدها على وجه السرعة ورأيت في عينيها نظرة جمود كأنها رأت شبح الموت ، أو كأنها تهيم في واد سحيق لا يرجى منه نجاة .
وبينما كنت أرتدي ثوبي إذ أقبل سيدي الصغير ( حسن ) وجر ثوبي فأرخيت يدي عن الثوب فأخذه وألقاه على الأرض ثم وطأه بقدميه وهو يقفز مرحا فابتسمت له كناية عن رضاي وقلبي يكاد ينفطر من ألم الذل وتداركني نحوه كره عميم وغيض دفين فكأن بداخلي براكين لا تلبث أن تنفجر فتحرق كل طري ويابس .
حينها قال لي بسخرية بالغة : سيبيعك والدي ، أيها الغبي الأسود وأنت تضحك ، لن تستطيع رؤية أمك بعد اليوم ، والله ما أشد غبائك .
ثم صفعني على خدي وقال : ولن أستطيع أن نلعب لعبة الحمار الأسود ، أتعلم أريد أن أصعد على ظهرك الآن ، هيا انحني .
فانحنيت بخضوع عبد يلبي مطلب سيده ورغباته وركب على ظهري ، ثم قال : سر بي يا حماري الأسود .
وضربني على إليتي براحة يده تحاملت على ألمها بقليل من الصبر لأدفن كره وجزع لم يسبق أن عرفته ، وشعرت حينها بظلم الدنيا وقسوتها ، وسرت به حابيا علي يدي وركبتي عار ليس علي غير ما يستر عورتي المغلظة ، وبينما كنت أسير به إذ أمسك برأسي وشد شعري المجعد بقوة وقال : أسرع من هذا .
ورفعت رأسي من شدة الألم فبصرت والدي ( صاعر ) الذي نحى وجهه بعيدا عنا كأنه لا يأبه مطلقا بما ألاقيه ، ومكثت هنيئة أسير به على ظهري حتى مل وجزع فنزل عن ظهري ثم ركلني على بطني قائلا : حمار كسول .
وتركني مقهقها وأنا منكبا بوجهي على الأرض أصارع آلام بطني واحتباس تنفسي وشعرت بآلام جسام ظننت بسببها أنني مفارق حياتي لا محالة .
في تلك الأثناء خرجت أمي من المجلس تنتحب مكفكفة دمعها بطرف وشاحها ، وسارت حتى مكاني وحملت ثوبي من الأرض وأمسكت بيدي فأوقفتني على قدمي وجرتني إلى عشتنا ، ثم أجلستني وقد خف ألم بطني قليلا واستعدت تنفسي فقلت : ما يبكيك أماه ؟
قالت : بكاء الدنيا كلها لا يغفر لي حرمانك الحرية .
قلت : وكيف ذاك أماه ؟
فاحتضنتني بقوة لصدرها أحسست معها بدفئها وحنانها ، وقالت : بني ، لقد أخفيت عنك أمر لا يغتفر ، لقد أخفيت عنك أبوك الحقيقي ، أو تغفر زلة أمك وحبيبتك .
قلت : أتقصدين أن ( صاعر ) ليس أبي ؟
قالت : نعم هو ذاك ، وأنت أبن سيدي الشيخ ( مذكور ) .
عندها أحسست بشعور غريب أمتزج فيه الفرح بالغضب فرحا بأن أبي سيد قبيلة وشيخ وغضب من أمي كيف أخفت عني مثل هذا الأمر ؟
فقلت : أماه ، لم أخفيت عني أمر أبي ، لم نسبتني للعبد صاعر ، بينما أبي سيد وشيخ قبيلة ، كيف رضيت لي هذا الذل والعار كل هذه الأعوام ؟
قالت وهي تنتحب : لا تعذبني يابني ، لقد أردت حمايتك .
فانسابت من عيني دمعة حارة وخرجت مني آهة مجروحة ثم قلت : تحميني ؟ ومن من ؟ لقد دمرتني يا أماه .
فزاد نحيبها وهي تقول : إن علمت سبب إخفائي أمر كونك حرا ستعرف أنني كنت أحميك ، ويا بني أنني ما فعلته إلا خوفا عليك أن يصيبك مكروه كنت قد علمت أنه طائلك لا محالة .
قلت : أخبريني ما الأمر يا أماه ؟
قالت : أتعدني وتقسم على كتم السر ؟
قلت : نعم .
فقصت علي الأمر من بداية أن اشتراها سيدي ليومنا ذاك ففهمت الأمر وعذرتها وطيبت خاطرها .
وفي ضحى اليوم التالي جاء سيدي إلى مخدعنا وكنت مستلقيا في جوف أمي وهي تمسد شعري وتفك عقده ، ولما رأته أزاحتني عنها برفق وقامت إليه منحنية لقدميه ترجوه أن يسامحها على فعلتها فقال لها : لا أعرف لك عذرا في إخفاء الحقيقة عني كل هذه المدة ، ولولا الصدفة التي قادتني لمعرفة الحقيقة لظل ولدي عبدا في كنفي أو أن أبيعه لآخر فيظل عبدا إلا أن يموت ، أوليس لك قلب أم تحب الشرف والرفعة لابنها ، أنا سيد قبيلتي ومن كان غيره سيخلفني بعد موتي ؟
قاطعته وهي تقبل قدميه : لا أراك الله شرا يا سيدي .
فتنهد ثم قال : كم أحببتك وفضلتك على كل الجواري وأكرمتك كرما لم أهبه لغيرك ، أهكذا تجازين من أحبك وأكرمك .
قالت وهي ما تزال تقبل قدميه : كلا يا سيدي ، لكنه خطأ وسوء تقدير .
قال : تلبسين ابني بعبدي صاعر وتقولين سوء تقدير .
قالت وهي تنتحب : كنت غبية بتصرفي أرجوك سامحني يا سيدي .
قال وقد علا صوته : لا تدعي الغباء يا حبيبة ، فأنت أذكى امرأة رأتها عيناي لكن لابد أن في الأمر سر .
وسمعت كلمة سر فهممت أن أخبره بسر سيدتي الحسناء عائشة لولا أن جبنت خوفا من عقاب أمي .
قالت : كما أخبرتك سيدي فقد خفت أن لا يصدقني أحد لأنه لا يشبهك بتاتا وخشيت أن أرمى بسوء أو أن أتهم بأنني أريد إلصاق الطفل لك ، فيكون سببا في تفريقي عن ولدي للأبد ، سامحني يا سيدي أرجوك . ومازالت تقبل قدماه حتى هدأ غضبه ثم قال : أنت من اليوم حرة . ومد يده لقلادتها فقطعها ، ثم أردف : إن أحببت الانطلاق حيث شئت فلا أمنعك اتركي ولدي وأنت حرة وإن أحببت البقاء كان مهرك عتقك فاختاري ما تشائي .
قالت وهي ما تزال تقبل قدميه : بل أختارك يا سيدي ، أكون زوجك وخادمتك .
قال : إذا سنبني لك كوخا وتنزلين به زوجتي معززة مكرمة وأُماً لأبني أعهد إليك تربيته وتنشئته .
ثم أزاحها عنه برفق وأشار إلي أن أدنو منه ففعلت فأمسك بقلادتي وقطعها وهو يقول : هل تعلم أنك ابني أيها الأسود ، فقبلت يده ثم حضنني وتعلقت بخاصرته وهو يقول : كنت دائما أشعر بأبوة صادقة تجاهك لكن أمك غالطت أحاسيسي ومشاعري نحوك ، أتسامح أمك يا بني ؟
قلت : نعم يا سيدي .
قال : لا ، بل قل أبي .
قلت : أبي .
فرفعني بذراعه عاليا ثم قبلني قبلات عديدة في خديَّ وعينيَّ ورقبتي وظل كذلك حتى غالبه بكائه فقال وهو يجهش : سأعوضك الحرمان الذي وهبته أمك لك .
ثم توقف عن تقبيلي وقال : أعلم أنك تكرهني ، أليس كذلك ؟
قلت : لا ، أنا أحبك من قبل فقد كنت طيب القلب معي ووهبتني محبة صادقة من قبل أن تعرف أنك أبي والآن أنا أحبك أكثر وأكثر يا أبي .
وتعلقت برقبته وحضنته بكلتا يدي وكلت له القبلات في رقبته ووجهه حتى ضحك فرحا مسرورا .
ثم حملني على رقبته وتدلت قدمي على صدره وهو ممسك بيدي يقبلها وخرج من العشة على هذا الوضع فبصرت بصاعر الذي بدا مندهشا وكذلك بقية العبيد والجواري ينظرون وقد علت الدهشة وجوههم فناداهم جميعا ، فتحاثوا وأسرعوا نحونا حتى كانوا بين يدينا فقال لهم : هذا ابني ، وهو سيدكم .
فرمق العبيد والجواري صاعر بنظرة دهشة وحيرة ، فتداركهم صاعر بقوله : لقد قلت لكم من قبل ولم تصدقوني ، الحمد لله الذي أظهر الحق وبرأني من نسبه .
فقال أبي : قبلوا يد سيدكم شاهر .
فامتثل الجميع ولما جاء دور صاعر قال له والدي : انتظر أريدك .
وانتظر جانبا حتى إذا فرغ العبيد من تقبيل يدي أمرهم والدي بالانصراف ثم قال لصاعر : إذا ظهر الحق يا صاعر .
صاعر : الحمد لله يا سيدي .
قال والدي : قاتلك الله فأنت لم تجعل لنا سببا لتصديقك يا لئيم ، فما من جارية إلا ونابها منك ما نابها .
قال : يا سيدي ، إلا حبيبة فقد تعففت من أول يوم جاءت فيه للدار فتركتها وشأنها ، ثم يا سيدي كنت أعلم بقدر محبتكم لها فما كنت أتجاوز حدودي في حرثكم ، ثم إن جواري الدار والقرية ألهينني عن جمالها وفتنتها .
فقال والدي : أيها اللئيم ، أما زلت على عادتك حتى بعد أن زوجناك ؟
فقال : يا سيدي ، غلب الطبع التطبع ، وطعام واحد كل يوم يمرض البطن والأمعاء ، ثم يا سيدي ما أفعل وحسنهن يسلب القلوب والعقول .
قال والدي : ألا يكفيك الغزل وقول الشعر فيهن ؟
قال صاعر : بلا إن تمنعن يا سيدي ، لكنهن يسقطن في حبائلي من أول بيت .
فقال والدي ممازحا : الحل عندي سأريحك يا صاعر وأريح الجواري منك .
فقال : أتريد بيعي ؟ لا بأس ففي كل أرض وقرية يوجد جواري حسان ولن تستطيع منعي إن بعتني يا سيدي .
فقال والدي : لا لن أبيعك ، لكني سآمر بدق خصاك فتكون والجواري سواء .
فقال صاعر وقد علا وجهه الخوف : لا يا سيدي ، إلا هذه ، سوف أتوب ، بل أقسم لك أني تبت من الآن . وانحنى يقبل قدمي والدي .
فقال والدي إمعانا في المزاح : أيها اللئيم ، سيكون لك شحما ولحما وبدنا قويا ألا تحب ذلك ؟
قال صاعر : وما أفعل بالشحم واللحم ؟ أتريدني يا سيدي أرى الجواري ولا أحرك ساكنا سأموت كمدا ، يا سيدي اقتلني ولا تشنع بي هكذا .
فضحك والدي بصوت عال حتى سعل من شدة الضحك ثم قال : وتقول أنك تبت ، لا بل سآمر بدق خصاك .
قال صاعر : إن فعلت يا سيدي ، قتلت نفسي .
قال والدي : إذا تب بصدق .
قال صاعر : أعدك يا سيدي أن توبتي هذه المرة ستكون صادقة .
فقال والدي : سنرى إن كانت توبتك صادقة ، هيا انصرف يا فحل الجواري .
فانحنى صاعر ممسك بطرف ثوبه بأسنانه مغادرا وهو يقول : أقسم أني ما عدت ذلك .
ثم توجه نحو كوخ امرأته عمتي ( عائشة ) التي كانت تكن لي عداءا ظاهريا محسوس لكنني لم أكن أعلم له سببا إلا الآن ، فهي لا تريد لامرأة أن تشاركها في زوجها كما أن جشعها وحرصها على مال والدي سبب آخر فهي لا تريد أن يشارك أبنيها شريك في المال بعد وفاة أبي .
ودخلنا أنا وأبي لكوخها على نفس الهيئة يحملني على رقبته وكان بين يديها أبنيها ( بتول ) فتاة في المهد بدا أنها ترضعها و( حسن ) الذي كانت تفلي شعره وقتها ، وكانت عمتي امرأة شديدة الجمال لكنها تفرط في زينتها فقد وضعت الكادي والريحان على رأسها وخللت مفرق رأسها بلون أحمر وكذا الكحل كاد أن يغطي كل أهدابها وترتدي كل حليها دفعة واحدة وكأنها تاجر يعرض بضاعته ، ولما رأتنا رأيت إلتماع عينيها وأيقنت بشر سريرتها وخبثها ، ثم قالت بنبرة لا تخلو من الاستهزاء : أجننت يا رجل لتحمل عبدا فوق رأسك ؟
قال : وهل خبرت بي الجنون من قبل ؟
قالت : لا ، لكن ما تسمي هذا الذي تفعل ؟
قال : إذا فقولي أعاد إليك رشدك وكشفت غمامة عينيك ؟
قالت : ماذا تقصد ؟
قال : إن شاهر ابني يا عائشة ، نعم هو ابني .
ورأيت في عينيها نظرة جمود وخوف كادت أن تفقدها وعيها .
ثم أردف سيدي : تعرف عليه قصاصي الأثر ولولا لطف ربي لما عرفت بالأمر ، لأن حبيبة ضللتني كل هذه المدة عنه ، أترين كيف قابلت جميلي بالجحود والنكران ، لكنها الآن أقرت أنه ابني .
فتظاهرت بالغضب قائلة : لكن لماذا أخفت عنك ذلك ، هذه الجارية اللعينة .
فقال : عذرها واه لا يدخل عقل صبي ، فقد ظنت أنه لما رأت أنه لا يشبهني البتة خافت أن أتهمها بسوء وأفرق بينها وبين ولدها .
ورأيت في عينيها نظرة ارتياح لعدم كشف سرها ثم قالت : مسكينة حبيبة ، يا لغبائها ، سامحها يا زوجي العزيز .
قال : سامحتها يا عائشة ، وتزوجتها وجعلت مهرها عتقها .
فتظاهرت بالسرور وقالت : هذا أفضل .
فقال مستغربا : لا أراك مثل بقية النساء .
قالت : وكيف ذلك ؟
قال : لا أراك غاضبة أو مستاءة أن يكون لك ضرة ؟
قالت : وما يغضبني وهي جارية .
قال : أصبحت حرة .
قالت بدلال بالغت فيه : ما تزال في عيني جارية سوداء ، لن تضاهي جمالي وفتنتي عليك ، يا أبا حسن .
قال : طبعا ، طبعا لن تضاهي جمالك ، لكنني لست أدعى من اليوم بأبي حسن بل نادني أبو شاهر لأن شاهر أكبر من حسن بعامين .
قالت : لك الأمر ولنا الطاعة . وعضت على أسنانها حنقا وهي تقول : يا أبا شاهر .
فأنزلني وقال : قبل عمتك وإخوتك يا بني .
فتقدمت لعمتي ومدت لي يدها باستكبار بالغ فقبلتها ، ومدت لي رضيعتها أختي بتول فلثمت خدها ، ثم التفت نحو أخي حسن الذي كنت بالأمس حماره الأسود فمد لي يده فقبلتها فغضب والدي لذلك وقال : بل تبادلا القبل كما يفعل الأخوان .
فحضنته بمودة صادقة ولثمت خده واكتفى هو بأن قال : كم أنا سعيد أن يكون لي أخ يا أبي .
فقال والدي : يا حسن ، شاهر أخوك الأكبر يجب عليك احترامه وتوقيره من هذه اللحظة ، وعليك الإقتداء بأفعاله وخصاله وإن طرأ عليك أمر فعليك أخذ مشورته فهو أنضج منك عقلا وأوسع حكمة ، وإن اعترضك عارض فشد أزرك به فهو أقوى منك وأكبر .
ثم تنهد وقال : لتعلما أنكما عندي بمنزلة العينين ، فهل يحب المرء عين من عينيه ويكره الأخرى ؟ ، ولن أفرق بينكما ما حييت في المعاملة والتربية والنفقة فلا يظن أحدكما أنني آثره على أخيه لأنه أحب إلي من الآخر ، فأنتما عندي بمنزلة واحدة لن أظلم أحدكما على حساب الآخر ، ولتكونا عونا لبعضكما تشدان أزركما ببعضكما على الآخرين لا يستأثر أحدكما بأمر دون الآخر فإن الاثنين أقوى من الواحد وحري أن لا يضلا ، ولا يمدن أحدكما يده على أخيه بحق أو بدون وجه حق ، ولا يظلم أحدكما الآخر تعسفا وإن حزب على أحدكما أمر من أخيه فليأتني ويخبرني بأمره فاقتص له منه إن كان له الحق ، أفهمتم قولي ؟
قال حسن : نعم يا أبي .
وقال والدي لي : وأنت ؟
قلت له : فهمته وحفظته يا أبي .
فقال : بارك الله لي فيكما وجعلكما بارين صالحين مصلحين .
قالت عمتي : آمين . فقلت مثلها فامتعض وجهها ثم قال والدي : هيا أذهبا للعب خارجا ، فأنا أريد عائشة في كلام خاص .
فخرجنا ممسكا كل واحدا بيد الآخر حتى إذا أقفل حسن باب الكوخ أبعد يده عني وقال : اتبعني .







رد مع اقتباس
قديم 11-11-2006, 07:42 AM   رقم المشاركة : 19 (permalink)
shaher
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher







  المستوى : shaher has a little shameless behaviour in the past

  الهيئه: الهيئه:

  علم الدولة: علم الدولة

  الحالة :shaher غير متواجد حالياً

 


إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher
 

My SMS
افتراضي

-11-
فتبعته حتى سور الدار خلف الأكواخ ، ثم توقف قائلا : إذا أيها العبد ، تريد أن تكون أخي ؟
وصفعني على خدي قائلا : ما أنت إلا حماري الأسود وستظل كذلك للأبد .
قلت له وأنا واضعا يدي على خدي من ألم صفعته : سأخبر والدي وسيقتص لي منك .
قال : إذا فهمت الآن ، أنت لم تكتفي بمشاركتي والدي بل تريد الاستئثار بحبه أيضا ، يا لك من وغد خبيث . ورفسني بركبته أسفل خاصرتي فأصابت خصاي وسقطت على الأرض متأثرا بألم الرفسة ثم صاح قائلا : إن كنت رجلا فأخبر والدي وعندها سأقتلع عينيك من رأسك ، أتود معرفة كيف أقتلع عينيك ؟ ثم صعد فوق ظهري وانشب أظافره بعيني فقلت له متوسلا وما زال ألم خصايّ يعصف بي : كلا لن أخبره ، دع عيني .
قال : لن أدعها .
قلت : أرجوك ، ما هكذا يفعل المرء بأخيه .
قال : لست أخي ولن تكون .
قلت : دع عيني بالله عليك ؟
قال : لن أدعها حتى تقسم .
قلت : على ماذا أقسم ؟
قال : أن تكون عبدي وحماري الأسود كما كنت .
قلت : نحن أخوة ، عيب عليك .
فزاد ضغط أضافره على عيني حتى خشيت أن يفقع عيني فقلت : سأقسم .
قال : أقسم.
فأقسمت بشرف أمي ، فترك عيني والتقط عصا كانت بالقرب منا
وانهال علي ضربا وهو يقول : أمك ليس لها شرف ، جارية زانية .
وانهال يشتمني ويعيرني بأمي وهو يكيل لي الضرب بالعصا حتى أمسكت بقدميه أقبلها ليتركني وشأني ، وأقسمت له بالله أن أكون كما يريد ، ولم أكن لأجرؤ على ضربه ومقاومته لعوالق سابقة من كونه سيدي وأعاد لذهني الصغير أمر كوني عبدا فضللت عبده وحماره الأسود طيلة أربع سنوات ، فعندما نكون بحضرة والدي أو آخرين يتظاهر بحبه الشديد لي ويعاملني معاملة أخ لأخيه ، وعندما نكون بمفردنا أكون عبده وحماره الأسود ، وما أكثر ما كان ينكل بي ضربا وتعذيبا بسبب أو دون سبب ، وقد كنت مرارا أشتكي لأمي من أفعاله فتقول لي : اصبر عليه يا بني ، فعندما يكبر سيندم على أفعاله ، يا بني .. إنه أخوك الأصغر ولطالما كان مدللا من قبل والدته ، وأنت الأكبر ولتكن الأعقل ، فإن بادرك بالإساءة فلا تبادره بغير العفو والإحسان .
وهكذا كنت كلما غضبت منه وأردت الانتقام لنفسي أذكر كلمات أمي فارتدع عنه واصبر على أذاه .
وفي مرة من المرات وكان الوقت ضحى كنا في فناء الدار الخلفي فربط حبلا على رقبتي وأخذ يجرني حتى دنونا ناحية الباب فقلت له : سيروننا فلنرجع لخلف الأكواخ نلهو فأصر وأخذ يشدني ، توسلت إليه فلم يفد توسلي وتوددي حتى كنا خارج الدار ورأونا صبية الحي على ذلك النحو فأقبلوا علينا وأنا أتوسل إليه أن نرجع للدار ، حتى إذا كانوا بين أيدينا قالوا : ما تلعبون ؟
قال بصوت مرح : لعبة الحمار الأسود .
قاطعته : حسن .. لا تنكل بي بين الأغراب ، تذكر أننا أخوة علينا أن نكون عونا لبعضنا البعض ضد الآخرين .
فتجهم قائلا : سأريك نتيجة ما قلت ؟
والتفت إلى أقرانه قائلا : من يريد جر حماري ؟
فتدافعوا علي كل واحد منهم يريد الفوز بي فقاومتهم أدفعهم عني وأذب عن الحبل لكنهم تكالبوا علي فمنهم من تمسك بذراعي ومنهم من شد قميصي حتى تمزق في أيديهم قطعة تلو أخرى فخارت قواي بعدما لقيت من جهد وأذعنت لأياديهم القابضة على الحبل فجروني وتبتعهم وكان منهم من يصفعني في ظهري ومنهم من يرفس مؤخرتي ومن تشبثوا بالحبل صاحوا بي مرددين بصوت واحد : أنهق ؟ أنهق ؟ يا حمار ؟
فأبيت ذلك ، قائلا : ما أنا بحمار .
فكان من حسن أن شجعهم على التنكيل بي وضربني على بطني ضربة مؤلمة بعدها تناوب الجميع دون استثناء هذا يرفس وذاك يلكم وذاك يلطم حتى أذعنت أنهق وأبكي ، وبينما نحن على تلك الحال إذ مر رجل فرأى حالي الذي لا يسر صديقا ولا عدو فلوح لهم بعصاه يزجرهم وينهرهم فهرب الصبية وتناول حسن الحبل يجرني ويحثني على الهرب ، فلم أمتثل له حتى دنا الرجل فأمسك بحسن من ذراعه وعرفه فقال : ما هذا يا حسن ، لم تفعل بأخيك ما أرى ؟
فقال : دع ذراعي ؟
قال الرجل : أجبني ، لم تنكل بأخيك هكذا ؟
قال حسن : وما شأنك أنت ؟ قلت لك دع ذراعي فأنت تسحقه بقبضتك .
قال : آلمتك قبضتي فشعرت بألمها وتجاهلت حبلا لف على رقبة أخاك يكاد يخنقه ؟
قال حسن : قلت لك لا شأن لك بنا ؟ دع ذراعي أيها الوقح ؟
فأفلت الرجل ذراع حسن وقد صدم مما سمع ثم قال : أهكذا رباك أباك ، تشتم من هو أكبر منك سنا ، لا عجب أن ما تفعله بأخيك قليل من كثير تخبئه تحت هذه السحنة اللطيفة والوجه الجميل ، كم تغر المناظر وتخدع عن من جواهر البشر .
وغادرنا وهو يقلب كفيه حيرة واعترى وجهه الألم .
وبعد صلاة العصر سمعت طرقا على باب الكوخ فخرجت فإذا به أخي حسن ، ولقد علمت من لون وجهه الأصفر أن أمرا جلل قد طرأ ، فقلت : ما بك ، لم أنت خائف ؟
قال بصوت مرتعش : جاء ذاك الرجل إلى والدي ليحشر أنفه فيما لا يخصه وأظن أنه سيخبره بما رأى ، شاهر إن أخبر والدي بما رأى ستقع علينا نقمة والدي ، ولو طلبت منك تكذيب الرجل لما فعلت وستعظني عن المثالية وعاقبة الكذب ودواليك لكن كل ما أرجوه منك أن تقول أننا كنا نلعب فوالدي لن يصدقني ويعد كل كلمة أقولها كذبة .
قلت له : وهل تظن أن والدي سينطلي عليه هذا العذر ؟
قال بلهجة رجاء : إن ثبتنا على كلمة واحدة لن نعاقب .
قلت : وهل تظن أنه سيسكت عن شتمك للرجل ؟
فكر برهة ثم قال : إن سألك قل أنك لا تدري ودع الأمر لي ؟
قلت : لكنه سيستحلفني .
قال : احلف واستغفر في قلبك .
قلت : لا أستطيع أن أحلف كذبا أو أشهد زورا .
قال : يا .. ثم سكت برهة وتابع .. عدنا لمثاليتك التي ستحل بنا الواقعة ، سيغفر الله لك كذبة واحدة في العمر .
قلت : الكذبة الواحدة تجر أخرى ويكتب صاحبها عند الله كذاب ، لا لن أكذب .
قال : إذا كان كذلك فلتعلم أنني لن يهمني عقاب يوم واحد وسترى مني عجبا يا ابن الجارية . وولى عنى حانقا مغاضبا .
وما هي إلا لحظات حتى أرسل والدي في طلبي ولما حضرت وجدت حسن بين يديهما يدعي أنه لم ير الرجل من قبل ولما أن دنوت منهم قال الرجل وهو يشير : إلي اسأل شاهر فهو لن يكذب مثل أخيه .
فرد حسن ساخطا وكأنه نسي وجود والدي : بل أنت الذي يكذب .
فما كان من والدي إلا أن عالجه بصفعة قوية أطاحت به أرضا ، فانحنيت إليه ووالدي حينها يقول : تتطاول على الرجل أمامي ، إذا ما قاله صحيح ، أليس كذلك يا شاهر أم تود أن تكذب مثل أخيك ؟
قلت : إن الرجل صادق فيما قاله يا أبي لكننا كنا نلهو كبقية الصبيان وقد ظن الرجل أننا نتعارك .
فصاح قائلا : إلى الحضيرة ولا تخرجا منها حتى يأتيكما أمري .
فحملت حسن ليقف وساعدته على المشي وهو ينتحب ودخلنا الحضيرة وجلسنا على القش وعصفت بنا رائحة الروث واستفرغ حسن ما بجوفه وبدا عليه الإعياء الشديد ، ومكثنا كذلك حتى بعد المغرب فجاء والدنا وبيده مشعل وبيده الثانية سوط فبادرته قائلا : إن حسن مريض يا أبي ، اضربني بدلا منه فقد كانت غلطتي أنا .
قال : لكنك لم تشتم الرجل وتتطاول عليه ، اخرج إلى أمك يا شاهر .
قلت : لا يا أبي لن أخرج بدون حسن ، إنه صغير وضعيف لن يحتمل السوط ، فإن شئت فاضربني بدلا منه وإلا العفو وأنت عليه قادر .
قال : أو تحبه بعد ما فعله بك وأقرانه ؟
قلت : كيف لا أحبه ودمه من دمي وهو سندي وعضدي وتوأم روحي ؟
فاغرورقت عينا والدي والتمعت على ضوء المشعل ثم قال : لا أشك في مشاعرك يا ابن حبيبة فلأمك قلب كبير منحتك إياه ، لقد عفوت عنه لأجل صفاء قلبك وطهر سريرتك . ثم تنهد وقال : لرب أسود خير وأحب إلى الله من أبيض بهي الطلعة . ثم أشاح بوجهه عنا كمن يخبئ دمعة غضة .
أما حسن فقد رقد على الفراش ليومين متواصلة من ألم في بطنه أدعت أمه أنه من رائحة الروث في الحضيرة ، وكنت أنتظر قيامه من مرضه بفارغ الصبر لعل صنيعي معه يبدل حاله معي لكنه بات جليا عندما تعافا أنه لم يثمر صنيعي معه البته .
وعندما كنت في العقد الرابع عشر من عمري وهو في الثانية عشر من عمره نما عودي نموا ملحوظا وامتلأ جسدي وبرزت عضلاتي بشكل ملحوظ فيما كان حسن كما هو نحيل هزيل وقصير لم يتغير فيه الشيء الكثير .
وفي مرة من المرات سمعت والدتي حسن وهو يناديني قائلا : شاهر تعال لنلعب في الخارج ، فصاحت به قائلة : إن شاهر لديه أعمالا لم ينجزها بعد .
لكنها لم توكل إلي أي عمل بل لم تكن تريد مني الخروج برفقته .
وبعد المغرب لم يعد حسن وخرج العبيد للبحث عنه وخرجت معهم ، وتفرقنا كل في طريق ليسهل علينا البحث عنه في القرية ، وبينما كنت أسير بين الأكواخ والأعشاش إذ سمعت أصوات صبية فتوجهت نحو الصوت ووجدت مجموعة من الصبية متحلقين حول صبي هذا يرفسه وهذا يلطمه ولم استطع معرفة هذا الصبي المغدور لكثر ما تكالبوا عليه ، وهممت بالمغادرة لكنني سمعت صوت استغاثته فعرفت أنه حسن عندها طار عقلي وجرى الدم ساخنا في عروقي ووجهي وأحسست به يغلي في عروقي وسمعت صريرا أضراسي ومن غير وعي مني هجمت على الصبية مردفا صوتا هائجا فقبضت على أولهم من ظهره بكلتا يدي وألقيت به بعيدا ، ورفعت آخر كما ترفع حزمة قصب ورميته بعيدا ودفعت آخر من وجهه فألقيته على ظهره وآخر ضربته قبضة على وجهه وركلت آخر على بطنه وأمسكت بعنقي صبيين هزيلين وضربت رأسيهما ببعض ثم ألقيتهما بعيدا عني وفر البقية طالبين النجاة وهكذا خلصت أخي الذي كان ما يزال ينظر إلي في ذهول وهو يقف على قدميه وما أن وقف أمامي حتى تعلق بي وقبلني لأول مرة في حياته ، وقد غمرتني فرحة جامحة لقبلته تلك مما جعلني أحمله على ظهري فحلق ساعديه على رقبتي وانهال على رقبتي بالقبل حتى وصلنا للدار ، ووجدنا والدي وقلة من العبيد في انتظار قلقين ، وبسرعة ودهاء لا أعرف كيف اخترع كذبة جريئة على والدي فقد ادعى أنه كان يلعب بجانب المزارع فسقط في حفرة عميقة لم يستطع الخروج منها إلا بمساعدتي ، وصدقه والدي دون أن يسألني واكتفى بشكري وطبع قبلة حانية على رأسي .







رد مع اقتباس
قديم 11-11-2006, 07:45 AM   رقم المشاركة : 20 (permalink)
shaher
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher







  المستوى : shaher has a little shameless behaviour in the past

  الهيئه: الهيئه:

  علم الدولة: علم الدولة

  الحالة :shaher غير متواجد حالياً

 


إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher
 

My SMS
افتراضي

-12-
بعد هذه الحادثة تحسنت معاملة أخي حسن لي ، وتعلق بي أشد تعلق وسر لقوتي وجبروتي على صبية القرية ، فما أكثر ما كان يطلب مني أن أضرب له أحد صبيان القرية حتى كان جميع صبية القرية يهابونني ويخشون إغضابي حتى صرت زعيمهم بالجد والهزل يأتمرون بأمري وينتهون بنهيي وأغدقوا علي الهدايا والهبات كل يطلب ودي وصحبتي ، حتى حسن أغرقني بهداياه لكن ليس توددا ومحبة لي بل مقابل أن أبطش بأي شخص يريد ، وعندما أصبحت في العقد السادس عشر وهو في العقد الرابع عشر بانت علي علامات الرجولة وأصبح فكري ناضجا وتجلى في رفضي طلب حسن لأسلوب التسلط على البشر وقد حاولت إفهامه أكثر من مرة أن حب الناس لا يأتي بالقوة والعنف بل بحسن المعاملة ، لكنه كان عصيا أن يفهم مني هذا المغزى لأنه رأى في جسدي ثور هائج ظن أنه لابد أن يستغله لأقصى حدود التسلط والبطش ، وهكذا كنت مرارا أرفض أوامره وطلباته فتجاهلني فعوضت تجاهله لي بصداقات وطدتها مع أقران لي من القرية واستبدلت أسلوب التسلط والبطش بالاحترام المتبادل وحسن المعاملة وكنت لا أشتم أو أعير مطلقا ولا أسفه رأي أحد ما مهما كان معارضا لرأيي ، فأحترم أراء الآخرين وتوجهاتهم فعرف الجميع نبل أخلاقي ومقدرتي على كسب الآخرين فعوملت بالمثل .
وفي مرة من المرات وكنت جالسا مع أصحابي إذ أقبل صبي يشتكي لي من أخي حسن ، فقلت : أشتكيه لوالدي .
قال : أنت أخوه الأكبر فامنعه عني .
قلت : قلت هو لا يستمع مني نصحا .
قال : يا سبحان الله ، كل من القرية يهابك ويأتمر بأمرك وأخاك لا يفعل ؟
قلت : نعم ، لأنني لا أرهبه أو أخيفه مني هو أخي وليس أبني لأؤدبه ، أما التربية فهي لوالدنا يربينا كلينا .
قال : إذا كنت لم تمنعه عني فأنا قادر على منعه ، وإنما خشيت عقابك يا شاهر .
قلت : لكنني لا أرضى أن يمد أحدا يده على أخي غير أبي ، أما شكواك فانقلها لأبي وما عندي غير ذلك ، أفهمت ؟
فقال في استسلام : نعم فهمت .
وهكذا فقد التف حولي أصدقاء كثر ، أما حسن فالكل كان يتجاهله لأنه كان مدللا يثير المشاكل وكان الصبية يتحاشونه مخافة من أن يكون غضبي هو الفاصل ، وظل حسن أياما لا يجد من يلعب معه لقد كرهه الصبية لأنه يثير المشاكل ، ولقد أثار مرة زوبعة بوشاية بين أصدقاء أتضح لهم فيما بعد أنه واش كذاب ونمام فاجتنوه ولم يثيروا معه المشكلة احتراما لي وتركوه في غله دون صديق أو خليل ، ثم علمت أنه كون صداقات مع صبية أشرار في أطراف القرية فوجد ضالته فيهم ، فهم ينهبون ويسرقون البطيخ من المزارع ويتلفون أخرى لا لشيء إلا التسلية وحرق قلوب أصحابها عليها ، وناصحته مرارا وأبى أن يستمع لنصحي .
فقلت له مرة : إن رأيتك بعيني تسرق معهم فسوف أمنعك .
فقلد كلامي في استهزاء وتركني ، وأصبحت بيني وبينه فجوة ، فقد كان يتجاهلني وشعرت بكرهه لي يتجدد بعد أن ظننت أن كرهه لي قد مات وحل مكانه الحب .
وفي يوم من الأيام ، بعد العشاء كنت ألعب مع أقراني في أطراف المزارع إذ أقبل صبي وقال أمام أقراني : أخوك حسن ذاهب مع رفقة السوء يسرقون مزرعة .
فاستشطت غضبا وقلت : أين هم الآن ؟
قال : بالجانب الغربي من العقم الكبير .
فجريت حتى وصلت المكان فوجدتهم مختبئين ينتظرون مغافلة الحارس الذي كان يستعد للنوم ، فدنوت منهم وقلت : حسن ، ما الذي تفعله هنا ؟
فالتفت إلي قائلا بصوت خافت : أخفض صوتك ؟ ثم ماذا تفعل أنت هنا ؟ اذهب يا شاهر من هنا قبل أن يفتضح أمرنا ؟ أرجوك ؟
قلت : أتنوون السرقة ؟
قال : قلت لك أخفض صوتك ؟ وسنتكلم عن هذا فيما بعد ؟ هيا اذهب الآن ولا تخرب متعتنا ؟
قلت : أي متعة هذه في تخريب وسرقة جهد أيام طويلة من الحرث والبذر والري ، ألا تخافون الله ؟
قال أحد رفقة السوء : حسن ، اذهب مع أخيك قبل أن يفتضح أمرنا ؟
قال حسن : سيذهب لوحده ، هيا يا شاهر ، أرجوك أن تذهب ؟
قلت : لن أغادر بدونك ؟
قال : أرجوك ؟
قلت : لا .
قال : وإن لم أذهب معك ؟
قالت : سأصيح على الحارس بأعلى صوتي ليمنعكم .
قال : كن عاقلا يا شاهر ؟ أتود أن تفضح أمر أخيك وحبيبك ؟
قلت : بل أريدك أن تعود لصوابك ، هيا يا حسن دع رفقة السوء هذه وتعال معي ، فلابد أنهم سيفضح أمرهم يوما ما .
قال أحدهم : قل خيرا أو فاصمت ، ما هذا الفأل ؟ حسن اذهب مع أخيك وإلا..؟
قلت وقد علا صوتي : وإلا ماذا ؟
تداركني حسن وأطبق يده في فمي قائلا : أخفض صوتك هو لا يقصد شيئا ..
في تلك الأثناء أحس الحارس بوجودنا فصاح : من هناك ؟
عندها تسلل الزمرة مبتعدين بخفة فلم يسمع لهم حسا ولا همسا ، وأمسكت بمعصم حسن وتسللت خلفهم حتى إذا ابتعدنا عن المزارع ، أخذ الصبي الذي كان يهدد أخي يحث سيره كمن ينوي الهرب فلحقت به وأمسكته من قميصه ناحية كتفه وأوقفته قائلا له : بم كنت تهدد أخي بقولك وإلا ؟
قال : ما شأنك أنت ؟ هذا أمر بيننا ونحن أصدقاء .
فقال حسن : لا تتدخل يا شاهر بيني وبين أصحابي ، لك أصحابك ولي أصحابي .
قلت : وأنا أخوك ومن واجبي الدفاع عنك .
وكنت مازلت ممسكا بتلابيب الصبي الذي بدا أنه خائفا لهول ما رأى من قامتي وامتلاء عودي فوجهت كلامي نحوه قائلا : إن كنت تظن أن بمقدورك السيطرة على أخي فأنت مخطئ يا هذا .
قال وهو يرتعش : أنا لم أجبره على شيء لقد جاء معنا بمحض إرادته ، اسأله . ثم قال لحسن : هل أجبرناك على شيء من قبل ، ألم تأتي معنا بمحض إرادتك ؟
قال حسن : نعم هذا صحيح ، والآن هيا دعه وشأنه ، إن آذيته فلن أسامحك أبدا ، إنه صديقي يا شاهر .
قلت : ومتى كان الأصدقاء يهددون بعضهم ؟ بل هو زعيمكم تأتمرون بأمره وتنتهون بنهيه ، لا تحاول يا أخي خداعي ، إنه يتهددك ويتوعدك ، وأنا لست غبيا لتنطلي علي هذه الخدعة .
ثم شددت قبضتي على تلابيب الصبي وأخذت أهزه قائلا : بم كنت تهدد أخي هيا أخبرني قبل أن أحطم عظامك .
وكان مازال البقية ينتظرون مذعورين يريدون الفرار ، لكن لم يستطيعوا ترك زعيمهم ليواجهني بمفرده فأجلت بصري نحوهم بنظرة وعيد تراجعوا على إثرها .
قال حسن : قلت لك اتركه وشأنه ، إن أردت شيئا فتكلم معي ؟
قلت : أخبرني أنت إذا بم كان يهدد ؟
قال : دعه وأنا أخبرك .
قلت : لا لن أتركه حتى تخبرني ؟
فأمسك بيده الغضة الطرية يدي التي أطبقت على تلابيب الصبي محاولا فكها منه فأحس بالعجز فقال : دعنا وشأننا ولا تتدخل في أموري الخاصة ، يهددني يضربني هذا شأني وحدي لا دخل لك به ؟
فوجهت كلامي للصبي قائلا : لا تبالي بكلامه أنا أخوه الأكبر ومن واجبي الدفاع عنه ، أليس كذلك ؟
فهز الصبي رأسه بالإيجاب وقلبه يكاد يخرج من مكانه لخوفه ، لكن حسن قال : أنت لست وصيا علي ، يا أسود دعني وشأني وإياك أن تمس أصحابي بسوء ؟
قلت : حتى وإن آذوك ؟
قال : لم أشتكي لك منهم ، ثم ألا ترى أنك تحشر أنفك فيما لا يخصك .
وكان وجه حسن يمتلأ بالغضب شيئا فشيئا عندما قلت للصبي : إذا رأيت من يعتدي على أخيك أتظل متفرجا لا تحرك ساكنا ؟
فازدرد الصبي ريقه حينما قال حسن : ومن قال أنك أخي ؟ أو نسيت أنك عبد ؟
قلت لحسن : عيب عليك !
قال : وهل تعرف أنت وأمك العيب ، قلت لك دع صديقي يا ابن الجارية ؟
فتركت تلابيب الصبي وقلت لحسن : كف عن ذكر أمي بسوء ؟
فقهقه بازدراء ثم قال : قلت لك لا تحشر أنفك فيما لا يخصك فأبيت ، فخذ ما أردت أن تنساه لسنوات ، تقصد أمك الجارية الزانية التي غررت بأبي لتحمل اسمه وترثه بعد مماته ، ما أنت إلا ابن المولى ( صاعر ) زير الجاريات .
عندها ارتفع الدم في وجهي ولم استطع كبح جماح غضبي ولم أمهله ليكمل فقاطعت حديثه بوكزة على وجهه سقط بأثرها على الأرض وارتطم رأسه بحجر كبير وانفجر الدم يتدفق من رأسه ولم يحرك ساكنا فانحنيت إليه وانكببت عليه أحضنه وأقبله وأسأله أن يسامحني لكن عينيه كانت جاحظتين وجسده مسجى كالأموات ، والتفت أريد من الصبية المساعدة قبل أن يموت أخي بنزيف حاد فوجدت المكان خاليا وسمعت خلف الظلام الصبية يتنادون وهم فارين : شاهر قتل أخاه .
وحملقت مجددا في وجه أخي فوجدته قد فارق الحياة هززته بقوة ليستيقظ لكنه كان بلا حراك ، عرفت حينها بموته ودب الخوف في نفسي وبردت أطرافي وتجمدت شراييني وأطبق في عيني ظلام دامس ومستقبل حالك ، والتفت ناحية القرية فرأيت أناسا يحملون النباريس يتقدمون ناحيتي وأحسست بالخطر وشبح الموت الذي أخذ أخي يقترب مني ويكاد أن يلتف على رقبتي وشعرت بحد السيف يلامس حنجرتي ويقطع أوداجي ، فلم أعرف كيف أتصرف وأخذت أتخبط أجري يمنة ويسرة أتقدم ثم أتقهقر ، حتى دنا الناس مني ، عندها أطلقت رجلي للريح ودخلت بين المزارع أكدش وأقوم متابعا هربي حتى وجدت أكوام قصب انزويت بينها وأنا أفكر في مصيري أأقتل جزاء قتلي لأخي ، نعم سأقتل هكذا كنت أردد بنفس وجلة مضطربة ألعن حظي والغضب حتى أنبلج نور الصباح وأنا أصارع مخاوفي من حد السيف ، وعزمت أمري على الفرار بعيدا عن القرية فتسللت إلى مزرعة من المزارع جمعت ما أمكني من الحبوب والخضروات وخلعت قميصي وجعلت منه صرة وضعت فيه ما جمعت وهربت هائما على وجهي أحمل عار دم أخي بين كفي ، فتلك أول مرة مددت فيها يدي على أخي أودت بحياته وفارق الدنيا بأسرها ، لقد كنت جبانا عندما تركت الغضب يسيطر على نفسي وكنت مخطئا في تقدير أمر ضربه ، فقد توهمت أنني إن ضربته لن يتطاول علي أو على أمي بسوء ، لأنه ترك الدنيا بأسرها ، وصار عصفورا في الجنة ، كان ذلك منذ عشرة أعوام ومازال شبحه يطاردني ليل نهار وكأنه يريد النيل مني والفتك بي ليقتص مني ، فماذا أفعل يا عمي الشيخ ، أأعود إلى قريتي وأسلم نفسي وأواجه الموت جزاء غدري بأخي ، أم أظل هاربا أتعذب بذكرى تضج مخدعي وتفسد علي حياتي ، دلني يا عمي الشيخ فأنا محتار لا أستطيع التفكير .
وأدمعت عيني شاهر ثم انتحب بعدها نحيبا مرا مما هيج عاطفة الشيخ فسقطت من عينه دمعة ساخنة وهو صامت حائر ، ثم تلتها أدمع انحدرت على لحيته البيضاء المتلالأة فمسحها بكمه وقال : هو الغضب يا بني ، قاتل الله الغضب ، لقد نزغ الشيطان بين قلبيكما وولد بها الكراهية ، إنه من فعل الشيطان نعوذ بالله من شره وهمزه ولمزه ، يابني كن مع الله يكن معك ، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وقتلك لأخيك لم يكن عمدا فلا تقس على نفسك ، فضربك له لم يقتله وما قتله غير الحجر الذي سقط عليه والله علام الغيوب ، إن كنت يا بني كما رويت لي كنت تقصد تأديبه لا قتله فتأكد أن الله سيجعل لك مخرجا مما أنت فيه ويأتيك بالفرج ولو بعد حين ، فاستعن بالله وتوكل عليه .
وربت على كتف شاهر وخرج من الكوخ يكفكف دمعه بطرف كمه ، وبدا لشاهر أن الكوخ يضيق شيئا فشيئا ولكأنه يطبق على صدره فتختلف لإطباقه أضلاعه وأحس بضيق شديد في تنفسه فتمدد على ظهره وغفا غفوة حالم بالفرج بعد العناء .







رد مع اقتباس
قديم 11-11-2006, 07:55 AM   رقم المشاركة : 21 (permalink)
shaher
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher







  المستوى : shaher has a little shameless behaviour in the past

  الهيئه: الهيئه:

  علم الدولة: علم الدولة

  الحالة :shaher غير متواجد حالياً

 


إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher
 

My SMS
افتراضي

الأعضاء
خطير الشبكة
نفرتيتي
أمة الله
أم المزايين
عسولة

نشكر لكم اهتمامكم وتشجيعكم
لكن
لاحظوا أنكم خمسة فقط من اهتم بما أكتب
فهل لطول الرواية دور في هذا الصدود من بقية الأعضاء
أم المواضيع التي أختارها ،
أم أن اللغة العربية الصرفة لا تجد لها قبول وسط هذا المنتدى
أرجوا افادتي







رد مع اقتباس
قديم 12-11-2006, 09:32 AM   رقم المشاركة : 22 (permalink)
shaher
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية shaher







  المستوى : shaher has a little shameless behaviour in the past

  الهيئه: الهيئه:

  علم الدولة: علم الدولة

  الحالة :shaher غير متواجد حالياً

 


إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى shaher
 

My SMS
افتراضي

-13-
في عصر اليوم التاسع والعشرون من شعبان خرج رجال القرية إلى ناحية البراري ليرقبوا هلال رمضان ويتحروه وخرج شاهر معهم فيما بقي الشيخ وأبناءه في الدار .
وبينما كان شاهر على تل خارج القرية إذ رأى ركبا قادما من بعيد يجدون في السير إلى ناحية القرية ، وفطن شاهر أن الخيالة قد جاءوا لأمر عظيم فانسل من بين المترقبين للهلال بعذر قضاء حاجة واقترب من أكواخ القرية ليتسنى له رؤية الخيالة عن قرب ، وما هي إلا لحظات حتى برز أولهم وكان الشيخ فالح السيد الذي هرب من عبوديته ، وبسرعة اختبئ خلف شجرة إثل صغيرة وانبطح أرضا حتى لا يرى ، وتفحص الركب المكون من خمسة رجال فما عرف غير سيده ورجل آخر كان وجهه مألوفا لكنه نسي أين رآه ، وراقب دخولهم القرية حتى إذا وجدوا عبدا أوقفوه وتحدثوا معه قليلا فأشار إليهم إلى دار الشيخ زاهد ، فتوجهوا للدار ودخلوها ، بعدها انسل شاهر من مكانه وسار خلفهم للقرية وعندما كان على مقربة من دار الشيخ زايد رأى في فناء الدار العبد ( خضر ) فأشا