كان العم علي متعبا منهكا حينما دخل إلى الكوخ المتهالك نظر حيث ترك زوجته العجوز منذ برهة فوجدها ممدة على الحصير المهترئ الوحيد الذي يملكانه توجس في بادئ الأمر خيفة في نفسه لعلها ميتة لولا أن سمع صوتا مخنوقا يظهر مدى الألم الكامن في أحشائها تقدم نحوها ببطء متعب مجهد قال : منيرة ، لقد جلبت آخر حشائش منزوية تحت الجبل ، ثم جلس بعد أن اتكأ على يديه فما أبقت الحياة فيه قوة تساعده على الجلوس ، تناول قدحا به قليل من الماء العكر وغمس الحشائش فيه ثم قربها من فمها يريد عصرها وجاهد بكل قوته الواهنة فلم تخرج غير قطرات انسابت في فم منيرة كأنها رذاذ مطر جاء بعد سني جفاف ، تأوه العم علي ثم قال : ما عدت قادرا على عصر العشب فأين منا الشباب وقد رحل بل أين الأبناء والخلان ، ثم أنشد ( ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب ) انفرجت ابتسامة طفيفة من فم منيرة المتعب وغمغمت فلم يفهم ما قالت فقال : لا عليك ستتحسن الأمور قريبا فسيعود ابننا وحبيبنا أحمد من جدة بعد أن ينهي دراسته الجامعية ولن أعارض هذه المرة الانتقال من هذا الجبل وسأقبل بالعيش في كنفه حيثما يكون .
تمدد بجانبها وظل مطرقا بنظره للسقف الآيل بالسقوط وكأن فكره يقول : يا لتعاسة هذه الدنيا فما أخذنا منها غير الشقاء ، ويالعقوق الأبناء كيف استطاعوا جميعا أن ينسونا ثلاثة أشهر دون سؤال أو زيارة يتفقدونا بها .
سمع شهقة ضعيفة نابعة من زوجته التفت نحوها وجدها فاغرة فاها وشاخصة بصرها ، نادى : منيرة ، هل أنت بخير ، توكأ على مرفقيه وأقترب نحوها نظر لوجهها الشاحب ونادى : منيرة ، لكنه وجدها قد فارقت الحياة ، انتحب وانتحب ومرت حياته سريعة بين عينيه كأنها ومظات برق لا يهمد أو ينقطع ، وظل يبكي لساعات ينظر إليها عاجز مكسور محطم مشفق فمن يواري جثمانها الطاهر ؟ وهو هزيل لا يقدر على حمل نفسه ، لكنه انتبه فمد يده إلى وجهها أغمض عينيها وأغلق فكها وانحنى يقبل جبينها .
بعد أسبوع ونيف ينادي أحمد الذي جاء راكضا يذرع الجبل ويحمل بيديه أكياس الغذاء والدواء يتفادى صخرة أمامه وحسكا كاد أن يطأه وهو ينادي : أبي ، أمي أنا أتيت لكنه لم يستقبله على سفح الجبل أحد وجرى للكوخ وجد بابه نصف مفتوح ووجد جثتين متعفنتين فوق بعضهما البعض والعفن والزخم يملأ الكوخ وبعض أنحاء الجبل .
تنويه
( لعلها أقصر أقصوصة كتبها كاتب لكنها أعجب قصة سمعتها من أحد أبناء العم علي رحمه الله وزدت عليها من وحي خيالي بعض التفاصيل )