( حسن ) طفل جميل لم يتجاوز الثالثة من عمره خفيف الظل ذو ابتسامة كأنها الشهد جعلت كل من يراه يحبه لأول وهلة ، ولم يكن الطفل الوحيد لوالديه بل كان ترتيبه الثالث والأصغر بين اخوته ، فقد سبقته فتاة وصبي أكبر منه بعامين أصيب بالشلل قبل مولده بأشهر فقط ، فجاء مولده في وقت كان الأبوان فيه وصلا لحد اليأس من شفاء ابنهم الأكبر من شلل الأطفال فكان لهما بمثابة تعويض رباني وعطاء سخي ينسيهم أيام العذاب السابقة .
كان الوقت عصرا حينما جاء للبيت خاله ( عمر ) الذي يحبه حسن حبا جما لا مثيل له يفوق حبه لأمه وأبيه ، فلما رأى الصبي خاله جرا إليه وتعلق به فحمله الخال وانهال عليه بوابل من القبل ، ثم خاطب أخته يستأذنها أن يأخذه برفقته للشارع ، لم تمانع لكنها قالت : أغير ملابسه ويكون عندها تحت تصرفك .
انتظر الخال على أريكة قريبة منه يصفر بأغنية حجازية حتى جاءت الأم وبيدها حسن في أبهى حلة فقد ألبسته قميص أزرق فاتح برز معها لونه القمحي وتورد خديه وكثافة رموش عينيه الواسعتين وانسدال شعره الناعم الذي غطى أذنيه بالكامل ، نهض حينها الخال مرحبا وقال : هلا بالقمر .
وحمله بين يديه وانهال عليه بوابل من القبل ثم خرج من الدار يحمله كأنما يحمل قطعة فنية جميلة أو منحوتة نفيسة ونادرة محتضنه بكلتا يديه إلى صدره حتى إذا كان في عرض الشارع أنزله ليسمح له بالمشي بجانبه وليستمع لصوت الحذاء الذي يصدر صفيرا كلما خطى به الطفل خطوة ، وبينما كانا يسيران جنبا لجنب نظر الخال للطفل ثم قال: أتحبني يا حسن ؟
الطفل : نعم .
الخال : وأنا أيضا أحبك .
الطفل : خالي إلى أين سنذهب ؟
الخال : لأصحابي .
الطفل : ومن هم أصحابك ؟
الخال : أنت لا تعرفهم ولم تلتقي بهم من قبل ، لكنك اليوم ستتعرف بهم .
سارا الهويداء يتأملان أوجه العابرين والدواب حتى إذا رأى الصبي عربة يجرها حمار قال : ما هذا خالي ؟
الخال : هذا السقا .
الطفل : وما هو السقا ؟
الخال : الذي يحضر الماء للمنازل .
الطفل : لكن قالت جدتي أن الماء يأتي من المطر ، والمطر يأتي من عند ربي .
الخال : نعم هذا صحيح ، الماء يأتي من المطر ، والمطر من عند ربي ، لكن عندما ينزل المطر يجمع في برك وأحواض ثم يعبأه السقا في تلك البراميل التي على العربة فيوزعها على المنازل وينتفع الناس بها ، أفهمت أيها المتذاكي .
الطفل : نعم فهمت ، لكن ما السقا أهو الحيوان أو الرجل ؟
الخال : السقا هو الرجل ، أما الحيوان فهو حمار ولولا وجود الحمار لما استطاع الرجل أن يجلب الماء للمنازل .
الطفل : فهمت الآن ، أنا أحب السقا يا خالي ، لأنه يجلب لنا الماء للمنزل .
وتابعا سيرهما حتى إذا وصلا لبغيتهم توقف الخال وانحنى للطفل قائلا : كن مهذبا حسن ليحبك أصحابي ، أفهمت ؟
الطفل : حاضر خالي .
ولثم الخال جبهة الطفل ثم تقدم نحو دار بالجوار وطرق بابه الخشبي برفق ، انتظرا قليلا حتى فتح طفل في العاشرة بادره الخال قائلا : كيف حالك يا خالد ؟
خالد : الحمد لله .
الخال : هل أخوك عبد الله موجود ؟
خالد : نعم ينتظرك في المجلس هو وأصحابه ، تفضل ؟
ودلف الخال يتبعه حسن حتى إذا كانا أمام باب المجلس إذ أقبل عبد الله مرحبا وصافح الخال ثم انحنى ولثم خد حسن .
وكان في المجلس شاب لم يكن من المدينة بل هو من الأرياف ظل يحملق في حسن بنظرات لم تعجب الخال ولا الحاضرين ، حتى إذا انفض المجلس ولم يبقى غير المضيف وعمر وحسن قال عمر لمضيفه : أرأيت القروي كيف كان ينظر لحسن ؟
عبد الله : لقد أزعجتني نظرته ، ولكن قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا .
عمر : نعم هذا صحيح ، لكن العين حق ، والرجل من الريف لم يتعود على رؤية أطفال نظيفين مهندمين .
عبدالله : مالك يا عمر توكل الله ولن يضره شيء وأظن أنك قد رقيته قبل حضورك لنا .
عمر : لا والله لم أرقيه ، وهذا ما يزيد مخاوفي .
عبدالله : لعل أمه قد رقته قبل خروجكما .
عمر : لا أعلم وكل ما أتمناه أن تكون قد رقته .
عبدالله : يا رجل توكل على الله ولا تتطير .
عمر : لقد رأيت نظرة الرجل وأظن أنه ( عيان ) لا محالة .
ولما انتهيا من الزيارة وعادا للمنزل سأل عمر أخته : هل رقيتي حسن قبل خروجنا ؟
أم حسن : لا اعتمدت عليك .
عمر : وأنا اعتمدت عليك .
أم حسن : كن مؤمنا فلن يضره شيء بإذن الله .
عمر : نسأل الله العفو والعافية .
جاء عمر في صباح اليوم التالي وقبل أن يطرق الباب سمع صوت نياح نسوة فطرق الباب فلما فتح رأى في فناء الدار أم حسن وقد تحلق حولها نسوة كثر ينوحون لنياحها ويبكون لبكائها ووجد في ركن الدار أبو حسن وجده وأعمامه يغسلون الطفل في طشت صغير بالماء والكافور وبجانب الطشت طاولة صغيرة عليها كفن صغير أبيض .