قام ( محمود ) من مكانه الذي كان مرتميا فيه من أول الليل وبدا أنه يترنح ويوشك أن يسقط عندما بادره ( علي ) : إلى أين ؟ مازال الوقت مبكرا .
رفع ( محمود ) رأسه بتثاقل ونبس بكلمات متثاقلة : للبيت ، لعل أم عبير تقلق بسبب تأخري .
ويبدو أن هناك ما حث فضول ( عثمان ) الذي كان منكبا على وجهه فرفع رأسه الثقيل وقال بلسان أثقل : تقصد أنها ستكيل لك الشتائم بسبب تأخرك عن البيت ، هه انظروا يا شباب هذا أيضا يخاف زوجته .
أشار ( محمود ) بيده ملوحا بسبابته متوعدا وقال : أنا .. أنا لا أخاف من صاحب أكبر شارب هنا ، فأخاف من امرأة ؟
عندها نطق ( سامي ) بعد أن كان غائبا عن الوعي تماما متكئا على زاوية الأريكة فقال ولم يرفع رأسه نحوهم : عثمان ، يبدو أنك تقصدني .
عثمان : نعم ومن غيرك ؟
سامي : ألزم حدود الأدب ؟
عثمان : وهل أخطأت عليك ؟ ألم تبكي أول مرة جئت فيها للشقة ، ولما سألناك عن سبب بكائك ؟ قلت على مسامعنا جميعا : نورة .
فقلنا : ما بها ؟
فأجبتنا : نورة ستغضب مني ، وقد تطردني .
فقلنا لك : ومن نورة ؟
فأجبت : زوجتي .
أتعلم يا سامي بما أنك لست رجلا على ( الحشيش ) فمالك وماله ، وبما أن لديك نورة تحاسبك فدعك منه ، ( الحشيش ) يريد رجالا بقدر قوته ومزاجه .
سامي وقد رفع رأسه : تقصد أنني لست رجلا ؟
تدخل علي حينها فقال : بالله عليكما كفا عن مثل هذا الكلام ولا تعكرا أجواء الحشيش بالنكد والخصام والضغائن .
سامي وقد علا صوته : لكنه هو البادئ بالإهانة .
عثمان : هون عليك يا سامي فنحن أخوة ؟ ما أقصده أن نورة ليست امرأة عادية .
سامي وقد هدأ غضبه على الفور ثم تنهد وقال : والله صدقت .
محمود وهو متجها نحو باب الشقة : أراكم غدا بعد صلاة العشاء على موعدنا المعتاد . وخرج من الشقة وهو يستند على الباب ومن ثم على الجدار حتى إذا وصل للسلم اتكأ على حافته الخشبية ومكث يتمايل برهة ثم نزل درجة واحدة وخطر له أن يجلس قليلا ففعل متكئا على حافة السلم بظهره ، وظل يتذكر زوجته عندما هددته في المرة السابقة لو جاء للبيت ( مسطول ) ستذهب لأهلها وتطلب الطلاق ، قال في نفسه : اليوم حالتي مزرية وأمري مفتضح لا محالة ، والله إن رآني طفل لعرف أنني ( محشش ) ، فما الحل ؟ أأرجع للشقة فأكون حديث الساعة لدى الشباب ، والله إن رجعت ليلوكونني بألسنتهم القذرة ، فما عاد لديهم ما يسليهم وأكون ضحية تفكير طائش ، فما الحل يا ترى ؟ فكر يا ( أبا عبير ) فكر وأخرج لك حلا من العدم ؟ فكر فقد شهد لك الجميع برجاحة عقلك وسداد رأيك .
وجاءته فكرة قلبها في رأسه مليا وظل صامتا مطرقا لها ثم قال : نعم الرأي رأيي ، وأعجبه عقله وتفكيره فضرب على جبهته براحة يده كمن يهنئ عقله على تلك الفكرة ، ثم هم بالنهوض لكنه لم يقم وبدا أن فكرة أخرى تدافعت نحو عقله فقال مزهوا بنفسه : يالي من عبقري ، هذه أجمل وأحلى ، ( أبو عبير ) أنت نابغة ، نعم نابغة أين مستثمري المواهب والعقول عنك والله لو عرفوا أن هذا تفكيري ومقدرة عقلي لتدافعوا علي ليتبنوني .
حينها سمع أذان الفجر فقال في نفسه منتبها : الآن سيخرج الأوغاد من الشقة ويجدونني جالسا على الدرج ، ويحصل ما كنت أحذر من سخريتهم ووقاحتهم .
قام مستهما ونزل درجتين بصعوبة بالغة ثم تعثر بطرف ثوبه وسقط ، وتدحرج حتى وصل لنهاية السلم منكبا على وجهه .
سمع الشباب في الشقة جلبة وأصوات أناس يتنادون في الخارج فقام علي يترنح وفتح الباب وأخرج رأسه من الباب فتناهى لسمعه صوت رجل يقول : جس نبضه .
وآخر يقول : من أين جاء هذا الشاب ؟
عاد علي للشباب وقال : يبدو أن هناك شخص غريب فاقد الوعي أسفل السلم ، هلموا بنا نتفرج .
وسبقهم علي ولحق به عثمان وسامي ، وعندما وصلوا لنهاية السلم وجدوا صديقهم ( محمود ) مضرجا بدمائه ورجل منكب فوقه يسمع ضربات قلبه وأغلب سكان المبنى تحلقوا حوله ، فرفع الرجل رأسه وقال : ليس به نبض ، ترحموا عليه .