كنت صغيرا لا أتجاوز االتاسعة من عمري حينما دخلت على جدي مخدعه وأثار كدمة بادية على وجهي ، وكان حينها مشغولا بقراءة كتاب رث ، فما أن رئاني حتى أزاح عنه الكتاب وأدناني منه ، وأجلسني بجانبه وظل برهة يتفحص وجهي ، ثم قال : مم هذه الكدمة ؟
قلت : ابن الجيران أحمد .
قال : أو عدتم للشجار ؟
أومأت برأسي بالإيجاب ولم أنطق ببنت شفه .
قال : أما نصحتك بالابتعاد عنه ومصاحبة غيره ؟
أومأت برأسي مرة أخرى .
قال : ما الذي أعادك إليه ؟ ألم يكفيك ما لقيته منه الأسبوع الفائت ؟
قلت : يا جدي لم أجد من ألعب معه ، وبقية الصبية أكبر مني وأنت تنهرني أن لا ألعب مع من كان أكبر مني ، ماذا عساني أفعل أأجلس في البيت مثل النساء بينما كل صبية الحي يلعبون في الخارج ؟
تنهد ثم قال : كلا يا بني حاشاك فأنت رجل ومن حقك اللعب في الخارج لكني لا أريدك أن تكون مثل عبد عجير .
قلت متسائلا : ومن عبد عجير هذا ؟
قال : هو عبد رضي الذل على نفسه رغم ما أتيح له .
قلت : وكيف ذلك ؟
قال : كأنك تريد سماع قصته ؟
قلت بإصرار ورجاء ممزوجين : جداه أنت تعلم مقدار حبي لقصصك .
قال : كان في قريتنا رجل اسمه عجير ، سيء الطباع ، يملك غلاما فارسيا جميل السحنة ، عذب اللسان والطباع ، وكان الغلام محبوبا من أهل القرية لجم أدبه وشدة حياءه مع نهمه للعلم والمعرفة ، وكان عجير هذا يضربه خلسة ويحبسه في البيت لا يخرجه إلا بعد أن تطيب كدمات الضرب وأثارها حتى لا تظهر للناس آثار الضرب عليه ، لأن العبد إذا ضرب بلا سبب مقنع بهدف تربيته ولو بلطمة واحدة يعتق ، ويصير العبد حرا من ساعتها .
وفي ليلة من الليالي سمر عنده جماعة من أصدقاءه ، ودخل الغلام عليهم بآنية الطعام ، فوضعها على الأرض ووقف بقربها ، فقال عجير لغلامه : أدنيها يا غلام ؟
ففهم الغلام أمرا غير الذي قصده سيده ، فأدنى إناء الغسل منه ، ووقف أمامه بانتظار أمر آخر .
فاشتط غضب عجير لفعل الغلام وقال : إلى متى تظل حمارا لا تفهم ؟
قال الغلام : ها أنذا أمتثل لأمرك يا سيدي .
قال : أو هذا ما أمرتك به ؟
قال الغلام : أو غير هذا قصدت يا سيدي ؟
قال عجير : أسألك فتسألني أيها الوقح .
وكان عجير جالس على أريكة مرتفعة فركل الغلام برجله على بطنه بقوة فسقط الغلام على الأرض يتلوى من وجع الضربة ، وعجير يصيح به أدني المائدة قاتلك الله ، لكن الغلام على الأرض يتلوى متوجعا ، فما كان من عجير إلا أن نزل عن الأريكة وأخذ يرفس الغلام بقدمه ناسيا من ثورة غضبه أن أصحابه ضيوف بحضرته ، - فالغضب يابني يعمي صاحبه - .
فأمسك الضيوف بعجير وقالوا له : لقد جئت شيئا فريا ، لقد عتق الغلام منذ اللحظة ، فليس هذا بتأديب وما هناك سبب يوجب ضربه .
واقتادوا الغلام وعجير إلى فقيه القرية وشهدوا بما رأوا من فعل عجير بغلامه ، فحكم الفقيه بعتق الغلام وأصبح الغلام حرا .
في الصباح سمع الناس بالقصة فتنادوا فرحين أن باركوا لغلام عجير عتقه ، لكن الغلام كان قد اختفى عن الأنظار فظن الناس أنه غادر القرية أو هكذا ظنوا لحين .
بعد شهور عدة تداولت بين الناس إشاعة مفادها أن عجير يحبس غلامه الذي عتق عنده في بيته ، وسمع كبار القرية بهذه الإشاعة فتوجهوا للفقيه وقالوا : الرأي أن نتأكد من صحة هذا الكلام ، فالحديث كثر وليس معقولا أن يحبس عجير غلامه وقد عتق منه بأمركم .
فتوجه الفقيه وكبار القرية لبيت عجير ووجدوا الغلام عنده فقال الفقيه : لم يا عجير لم تنفذ الأمر وقد حكمت بعتق الغلام ، لم حبسته كل هذه المدة في بيتك ؟
قال عجير : والله قد نفذت ما أمرتم يا سيدي ولم أحبسه ، لكنه هو الذي حبس نفسه عندي ولم يمتثل لأمركم !.
سأل الفقيه الغلام : أصحيح هذا الكلام ؟
فاومأ الغلام رأسه بالإيجاب وهو مطأطأ رأسه للأرض .
قال الفقيه : بل أجبني صراحة بالقول لا بهز رأسك ؟
نبس الغلام باستحياء : نعم يا سيدي كلام سيدي عجير صحيح .
قال الفقيه : لعله هددك .
قال الغلام : لا والله لم يهددني بشيء .
قال الفقيه : ولم كرهت الحرية وعدت للرق بعد أن حررناك ؟
قال الغلام : بيني وبين سيدي عشرة وفضل وكرهت أن أفارقه .
قال الفقيه : إن كنت كما قلت ، فلم لا تعمل لديه أجيرا وتحتفظ بحريتك ؟
قال الغلام : لا أحب أن أكون إلا عبدا تحت سيدي عجير .
فاسقط في يديهم فقد اختار الغلام ذل الرق على شرف الحرية وانصرفوا وهم يقلبون أيديهم تعجبا .
وظل سر هذا الغلام وسيده لا يعرف له الناس سببا حتى توفي عجير فشاع بين الناس السبب وأظهره الله .
ثم سكت جدي برهة وانتظرته ليقول السبب فلم يقل ، ويبدوا أنه أنهى القصة عندما سكت فقلت : أكمل ياجدي .
قال : قد أكملت .
قلت : لكنك لم تقل لي السبب ؟
قال : ستعرفه بنفسك لما تكبر .
قلت : ما هذا ياجدي ؟ ، أأنتظر الأعوام الطويلة لأكبر وأعرفه ؟ ، أكون حينها قد نسيت القصة بأكملها .
قال : لا ، لن تنساها ما حييت ما دمت لا تريد أن تكون مثل عبد عجير .