:zxcv24: :w16: يشرب الماء ثم يشرب
بصعوبة يرتشف كل ما في الفنجان ، تتوزع قطرات الماء المنزلقة بلا حدود تتقرقر في جوفه كصدى بئر بلا ماء ، و يشتدّ خوفه كقصة بلا نهاية ، تتراقص أصابعه مرتجفة تتملى كل جهات الكأس بلا شفقة كالهارب من حتفه ، ينظر إلى جوفه فير صورته يتأملها في صفحة القهوة القاتمة يعجبه منظرها لأنّه يخفي كثيرا من الأشياء التي تكشفها له المرآة و لا يدري من منهما يصفه على حقيقته يشعر حينئذ بهمس يتسرب إلى أذنه ، أعرف بأنّك تخفي عني كثيرا من الأشياء و أعجز أن أسألك عن الحقيقة التي لا أرغب في معرفتها و لست مستعدا لأخو ض معركة أعرف نتيجتها مسبقا ، كل الأحياء يكرهون الأموات لأنّهم يكرهون رائحة العبودية و كم كان تصورهم حقيقيا عندما انسلّ ميّت إلى الأحياء في زي حي و أعجب به القوم على تساقط أشلائه المقززة و امتداد سترته إلى ركبتيه العاريتين و عظامه المجوفة النخرة ، لم ينتبه كثير من الناس إلى ردائه المستعار و علامات التعجب التي ارتسمت في وجهه العاري من الجلد لم يبق منه إلا خطوط حمراء كالانسلاخ من أثر النوم الطويل ، ورقة من بقايا أوراق الخريف القديم ، مصفرة لونها لا يسرّ الناظرين ، و ظل الرداء من جانبه الأعلى لا يغطي إلا جبهته المنسية و كأنّه يخفي قدرها المحتوم ، أخوفا من العار أم رهبة من وخز الرذيلة الذي صنعته عاهة سفر السنين ، لا يمكن أن تبعث العظام بقبحها و كل البشر يعرفون حقيقة السفر و مداه ، من منا لا يعرف سر خلودها و قد اكتنزت تعفنا من سخط الساخطين ، و في كل مرة يردد قصة تلك التي أحبت الموت حتى الحياة على صورة حتى الموت ! و بجانبها ذلك القنديل الذي تداوله كل الناس في كل ظلمة غير أنهم لم يروا شيئا و رآهم كل الناس ، لم يعد يخفى على الناس بأنّه كان حلما مزعجا تتقلب صفحاته على فنجان قهوة لم يُشرب تداعبه أنفاسه الحارة ...زفير و شهيق ..ما أشهاه و سقط من يده و تمزقت كل الصور شظايا فنجان ، عفوا تدفق الحلم و تبخر على الأرض و استحال رسما جميلا بلون واحد فلم تقبله إلا الأرض فراشا و كانت قُبلة وداع.