زغاريد مكثفة باتجاه غرفة العريس و الأقدام تصطك يمينا و شمالا و تدافعهن المعهود لم يتغير كلهن من ورائه ....تذكر صورتها عندما كانت تقف في الشرفة الشرقية و تلوح بوردة بيضاء ثم ترمي بها إلى شرفته البعيدة و كان يأمل أن يقفز ليمسك بها قبل أن تسقط في الشارع ، لأنه كان يحول بينهما في كل إطلالة صباح ، حتى المارة لم يكونوا على علم بذلك إلا بعد أن سقطت الوردة في رميات متكررة فلفت انتباههم المزعج ...كل الأعين جاحظة و الأفواه صاغرة و الرقاب مشرئبة... تلتفت لا أحد غير شرفات موحشة و حبال تلوح بثياب لا زال رذاذ الماء يتطاير منها تعبث به ريح هبت من الجهة الغربية مداعبة ورودا كالندى تثقل وريقاتها فتميل حتى تلمس المزهرية القديمة المصنوعة من الطين المحلي الذي لا يحسن تشكيلها إلا أم السعد جارته التي فقدت زوجها في إحدى ليالي القصف المباغت ....غفوة طويلة ثم تلاشت تلك الصورة و يفيق منهاعلى غناء تقليدي عادة يترنم به النسوة (ليلةالدخول)الزفاف...
عزف جميل على الدفوف يصحبه كلام ، كثير منه غير مفهوم لكنه مؤثر شديد التأثير فيه إثارة للمشاعر و مداعبة لذيذة كخبز ملة تفوح منه بقايا رماد ساخن ، ينظر إليها و يكشف عن وجهها الصبوح ... وجنتان ورديتان و عينان غائرتان في سواد فاحم يتلمس يدها الناعمة و يقبلها كالطفل النزق ...تحاول سحبها من يده بلطف لأنّه أطال تقبيلها ، شيء من الخجل يمنعها من فعل ذلك و تتركه يداعبها ثم يمسك بيدها الأخرى حينها تذكر الوردة التي كانت ترمي بها إليه يوم منعها كثير من الخجل و فضول المارين و المارات و أسهم عيون العابرين ، لم يصدق ذلك ، تقوم من مكانها و انسلت منه كالهارب الذكي و تتجه إلى شرفته الحزينة و تقف قبالة شرفتها المهجورة ، تذكرت كم وردة رمت بها إليه منذ ذلك الحين و كان حلمه أن يحضنها و يشم رائحتها المميزة ، يقتفي أثرها و يمسكها من خلاف و يضمها إلى صدره ، تنهدت بعمق و هي تتأمل نجوم السماء و بقايا لهيب قذائف من غرب المدينة تتساقط في كل اتجاه ، و لكنها لم تنبس بكلمة واحدة إلا تلك اللحظة عندما طلبت منه بعضا من ورودها التي رمت بها إليه ، كتم سره كالممتََحَن ، كمن وخزه بشدّة و طالت استعادة أنفاسه و عجز عن الجواب
- في الحقيقة !!! ، قالها و ما كاد يقول شيئا
- ولا واحدة في هذه الغرفة ؟؟!!
- و لا واحدة منها
دوي هزّ أركان المدينة و جلبة في كل مكان و جدران تتساقط في كل بيت و الشرفات هوت و عويل النساء و صراخ الأطفال تداخل مع تكاثف الانفجاريات
توقف كل شيء ، إلا صفارات الإنذار من كل جهة و سيارات الإسعافات تتزاحم على البيت ....هاتوا المحمل أمسك بها على الرغم من إصاباته و أدخلها اثنان إلى عمق السيارة و اختفت إلى غير رجعة ....أموات كثيرن ....و مداشر و أحياء بلا أحياء و تلاشت الأحلام