كفى بالله وكيلاً وشهيداً
ذكر البخاري في صحيحه: ان رجلاً من بني إسرائيل طلب من رجل أن يقرضه ألف دينار, قال: هل لك شاهد؟ قال: مامعي شاهد إلا الله. قال: كفى بالله شهيداً. قال: هل معك وكيل؟قال: مامعي وكيل إلا الله. قال:كفى بالله وكيلاً. ثم أعطاه ألف دينار, وذهب الرجل وكان بينهما موعد وأجل مسمى, وبينهما نهر في تلك الديار, فلما حان الموعد أتى صاحب الدنانير ليعيدها لصاحبها الأول, فوقف على شاطئ النهر, يريد قارباً يركبه إليه,فما وجد شيئاً, واتى الليل وبقي وقتاً طويلاً,فلم من يحمله,فقال: اللهم انه سألني شهيداً فما وجدت إلا أنت, وسألني كفيلاً فما وجدت إلا أنت, اللهم بلغه هذه الرسالة.
ثم أخذ خشبة فنقرها وأدخل الدنانير فيها, وكتب فيها رسالة, ثم أخذ الخشبة ورماها في النهر, فذهبت بإذن الله, وبلطف الله, وبعناية الله سبحانه وتعالى, وخرج ذاك الرجل صاحب الدنانير الأول ينتظر موعد صاحبه, فوقف على شاطئ النهر وانتظر فما وجد أحداً, فقال: لم لا آخذ لأهل بيتي؟! فعرضت له الخشبة بالدنانير, فأخذها وذهب بها إلى بيته, فكسرها فوجد الدنانير والرسالة.
لأن الشهيد سبحانه وتعالى أعان, ولأن الوكيل أدى الوكالة, فتعالى الله في علاه.
{{ وعلى الله فليتوكل المؤمنون }}.
{{ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين }}.
-------------------------------------------------------
{{ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله }}
الحسد كالأكلة الملحة تنخر العظم نخراً, ان الحسد مرض مزمن يعيث في الجسم فساداً, وقد قيل: لاراحة لحسود فهو ظالم في ثوب مظلوم, وعدو في جلباب صديق, وقد قالوا: لله در الحسد ما أعدله, بدأ بصاحبه فقتله.
إنني أنهى نفسي ونفسك عن الحسد رحمة بي وبك, قبل أن نرحم الآخرين, لأننا بحسدنا لهم نطعم الهم لحومنا, ونسقي الغم دماءنا, ونوزع نوم جفوننا على الآخرين.
إن الحاسد يشعل فرناً ساخناً ثم يقتحم فيه. التنغيص والكدر والهم الحاضر أمراض يولدها الحسد لتقضي على الراحة والحياة الطيـبـة الجميلة. بلية الحاسد أنه خاصم القضاء, واتهم الباري في العدل, وأساء الأدب مع الشرع, وخالف صاحب المنهج.
ياللحسد من مرض لا يؤجـر عليه صاحبه, ومن بلاء لا يثاب عليه المبتلي به, وسوف يبقى هذا الحاسد في حرقة دائمة حتى يموت أو تذهب نعم الناس عنهم, كل يصالح إلا الحاسد فالصلح معه أن تتخلى عن نعم الله وتتنازل عن مواهبك, وتلغي خصائصك, ومناقبك, فان فعلت ذلك فلعله يرضى على مضض, نعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد, فانه يصبح كالثعبان الأسود السام لايقر قراره حتى يفرغ سمه في جسم بريء.
فأنهاك أنهاك عن الحسد واستعذ بالله من الحاسد فانه لك بالمرصاد.
---------------------------------------------
هيــــــــــــــا إلى الصــــــــــــلاة
{{ يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة }}.
كان عليه السلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
وكان يقول: (( أرحنا بها يا بلال )).
ويقول: (( جعلت قرة عيني الصلاة )).
إذا ضاق الصدر, وصعب الأمر, وكثر المكر, فاهرع إلى المصلى فصل.
إذا أظلمت في وجهك الأيام, واختلفت الليالي, وتغير الأصحاب, فعليك بالصلاة.
كان النبي عليه السلام في المهمات العظيمة يشرح صدره بالصلاة, كيوم بدر والأحزاب وغيرها من المواطن. وذكروا عن الحافظ ابن حجر صاحب " الفتح " انه ذهب إلى القلعة بمصر فأحاط به اللصوص, فقام يصلي, ففرج الله عنه.
وذكر ابن العساكر وابن القيم: أن رجلاً من الصالحين لقيه لص في إحدى طرق الشام, فأجهز عليه ليقتله, فطلب منه مهله ليصلي ركعتين, فقام فافتتح الصلاة, وتذكر قول الله تعالى:{{ أمن يجيب المضطر إذا دعاه }}. فرددها ثلاثاً, فنزل ملك من السماء بحربة فقتل المجرم, وقال: أنا رسول من يجيب المضطر إذا دعاه.
وان مما يشرح الصدر, ويزيل الهم والغم,الصلاة على الرسول عليه السلام. {{ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما }}.
صح ذلك عند الترمذي: أن أبي كعب رضي الله عنه قال: يارسول الله, كم أجعل لك من صلاتي؟
قال: (( ما شئت )) قال: الربع؟ قال: (( ماشئت وان زدت فخير)) قال: الثلثين؟ قال: (( ماشئت وان زدت فخير)) قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: (( إذن يغفر ذنبك, وتكفى همك )).
وهنا الشاهد, إن الهم يزول بالصلاة والسلام على سيد الخلق: (( من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا )). (( أكثروا من الصلاة علي ليلة الجمعة ويوم الجمعة, فان صلاتكم معروضة علي )). قالوا: كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟- أي بليت- قال: (( إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)). إن للذين يقتدون به عليه السلام ويتبعون النور الذي انزل معه نصيباً من انشراح صدره وعلو قدره ورفعة ذكره.
يقول ابن تيمية:أكمل الصلاة على الرسول عليه السلام هي الصلاة الإبراهيمية: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم, وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين انك حميد مجيد.
نسينا في ودادك كل غال فأنت اليوم أغلى ما لدينا
نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا
----------------------------------
الصحة والفراغ واغتنامهما في طاعة الله
ينبغي إلا تضيع صحة جسمك, وفراغ وقتك, بالتقصير في طاعة ربك, والثقة بسالف عملك, فاجعل الاجتهاد غنيمة صحتك, والعمل فرصة فراغك, فليس كل الزمان مستعدا ًولا مافات مستدركا ً, وللفراغ زيغ أو ندم, وللخلوة ميل أو سيف.
وقال عمر بن الخطاب: الراحة للرجال غفلة , وللنساء غلمة.
وقال بزرجمهر: إن يكن الشغل مجهدة, فالفراغ مفسدة.
وقال بعض الحكماء: إياكم والخلوات, فإنها تفسد العقول, وتعقد المحلول.
وقال بعض البلغاء: لا تمض يومك في غير منفعة, ولا تضيع مالك في غير صنيعة, فالعمر أقصر من أن ينفد في غير المنافع, والمال أقـل من أن يصرف في غير الصنائع, والعاقل أجل من أن يفني أيامه فيما لا يعود عليه نفعه وخيره, وينفق أمواله فيما لا يحصل له ثوابه وأجره .
وأبلغ من ذلك قول عيسى ابن مريم, عليه السلام: البر ثلاثة: المنطق, والنظر, والصمت, فمن كان منطقه في غير ذكر فقد لغا, ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها, ومن كان صمته في غير فكر فقد لها.
----------------------
اطرد الملـل من حياتك
إن من يعش عمره على وتيرة واحدة جدير إن يصيبه الملل, لان النفس ملولة, فان الإنسان بطبعه يمل الحالة الواحدة, ولذلك غاير سبحانه وتعالى بين الأزمنة والأمكنة, والمطعومات والمشروبات, والمخلوقات, ليل ونهار, وسهل وجبل, وابيض وأسود, وحار وبارد, وظل وحرور, وحلو وحامض, وقد ذكر الله هذا التنوع والاختلاف في كتابه: {{ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه }} , {{ متشابه وغير متشابه}} ,{{ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها}}.
وقد مل بنو إسرائيل أجود الطعام, لأنهم أداموا أكله : {{ لن تصبر على طعام واحد}}.
وكان المأمون يقرأ مرة جالساً, ومرة قائما ً, ومرة وهو يمشي, ثم قال: النفس ملولة:{{ الذين يذكرون الله قيما ً وقعودا ً وعلى جنوبهم}}.
ومن يتأمل العبادات, يجد التنوع والجدة, فأعمال قلبية وقولية وعملية ومالية, صلاة وزكاة وصوم وحج وجهاد, والصلاة قيام وركوع وسجود وجلوس, فمن أراد الارتياح والنشاط ومواصلة العطاء فعليه بالتنويع في عمله, واطلاعه وحياته اليومية, فعند القراءة مثلاً ينوع الفنون, مابين قرآن وتفسير وسيرة وحديث وفقه وتاريخ وأدب وثقافة عامة, وهكذا, يوزع وقته مابين عبادة وتناول مباح, وزيارة واستقبال ضيوف, ورياضة ونزهة, فسوف يجد نفسه متوثبة مشرقة, لأنها تحب التنويع وتستملح الجديد.
له في الندى والبأس يومان عاشهما..........وما منهما إلا أغر محجـــل
فيوم يغيث الناس من مزن كفة..........ويوم يصيب الموت والجيش جحفل
--------------------------------
الرضــا ولـو على جمر الغضــا خرج رجل من بني عبس يبحث عن إبله التي ضلت, فذهب والتمسها, ومكث ثلاثة أيام في غيابه, وكان هذا الرجل غنياً, أعطاه الله ماشاء من المال والإبل والبقر والغنم والبنين والبنات, وكان هذا المال والأهل في منزل رحب, وعلى ممر سيل في ديار بني عبس, في رغد وأمن وأمان, لم يفكر والدهم ولم يفكر أبناؤه أن الحوادث قد تزورهم, وان المصائب قد تجتاحهم.
ياراقد الليل مسروراً بأوله.........إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
نام الأهل جميعا ً كبارهم وصغارهم, معهم أموالهم وفي أرض مستوية, ووالدهم غائب يبحث عن ضالته, وأرسل الله عليهم سيلاً جارفاً لا يلوي على شيء يحمل الصخور كما يحمل التراب, ومر عليهم في آخر الليل, فاجتاحهم جميعاً, واقتلع بيوتهم من أصلها, وأخذ الأموال معه جميعاً, وأخذ الأهل جميعاً وزهقت أرواحهم مع تدفق الماء, وصاروا أثراً بعد عين ٍ, فكأنهم لم يكونوا, وصاروا حديثاً يتلى على اللسان.
وعاد الأب بعد ثلاثة أيام إلى الوادي, فلم يحس أحداًُ, ولم يسمع رافداً, لا حي ولا ناطق ولا أنيس, المكان قاع صفصف, يا الله!! يا للداهية الدهياء!! لا زوجة لا ابن لا ابنة, لا ناقة لا شاة لا بقرة, لا درهم لا دينار, لا ثوب لا شيء, إنها مصيبة!!
وزيادة في البلاء: إذا جمل من جماله قد شرد, فحاول أن يدركه وأخذ بذيله, فرفسه الجمل على وجهه فأعمى عينيه, وأخذ الرجل يصيح في الصحراء علة يجد رجلاً يقوده إلى مكان يأوي إليه, وبعد حين ووقت من هذا اليوم سمعه أعرابي آخر, فأتى إليه وقاده, وذهب به إلى الوليد بن عبدالملك الخليفة في دمشق, واخبره الخبر, فقال: كيف أنت؟ قال: رضيت عن الله.
وهي كلمة كبيرة عظيمة, يقولها هذا المسلم الذي حمل التوحيد في قلبه, وأصبح آية للسائلين, وعظة للمتعظين, وعبرة للمعتبرين.
والشاهــد: الرضا عن الله.
والذي لا يرضى ولا يسلم للمقدر, فان استطاع أن يبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء, وان شاء: {{ فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ }}__________________
وان من شيء إلا يسبح بحمد ربه
إن الهدهد في عالم الطيور عرف ربه, وأذعن لمولاه, وأخبت لخالقه, يقول الله عز وجل عن سليمان: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ*لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ*فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}} إلى قولة تعالى {{اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ}}. وذهب الهدهد, وكانت تلك القصة الطويلة, وانتهت إلى تلك النتائج التاريخية, وكان سببها هذا الطائر الذي عرف ربه, حتى قال بعض العلماء: عجيب! الهدهد أذكى من فرعون, فرعون كفر في الرخاء فما نفعه إيمانه في الشدة, والهدهد آمن بربه في الرخاء, فنفعه إيمانه في الشدة.
الهدهد قال: {{ ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء....}}. وفرعون يقول: {{ ما علمت لكم من اله غيري.....}}. إن الشقي من كان الهدهد أذكى منه, والنملة أفهم لمصيرها منه, وان البليد من أظلمت سبله, وتقطعت حباله, وتعطلت جوارحه عن النفع {{ ِلَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا}}. في عالم النحل لطف الله يسري, وخيره يجري, وعنايته تلاحق تلكم الحشرة الضئيلة المسكينة, تنطلق من خليتها بتسخير من الباري, تلتمس رزقها, لا تقع إلا على الطيب النقي الطاهر, تمص الرحيق, تهيم بالورود, تعشق الزهر, تعود محملة بشراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس, تعود إلى خليتها لا إلى خلية أخرى, لا تضل طريقها, ولا تحار في سبلها {{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}}. إن سعادتك من هذا القصص, ومن هذا الحديث, ومن هذه العبر: أن تعلم أن هناك لطفاً خفياً لله الواحد الأحد, فتدعوه وحده, وترجوه وحده, وتسأله وحده, وان عليك واجباً شرعياً نزل في الميثاق الرباني, وفي النهج السماوي أن تسجد له, وان تشكره, وان تتولاه, وان تتجه بقلبك إليه. إن عليك أن تعلم أن هذا البشر الكثير وهذا العالم الضخم, لا يغنون عنك من الله شيئاً, إنهم مساكين, إنهم كلهم محتاجون إلى الله, إنهم يطلبون رزقهم صباح مساء, ويطلبون سعادتهم وصحتهم وعافيتهم وأشياءهم وأموالهم ومناصبهم من الله الذي يملك كل شيء.
{{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}}. إن عليك أن تعلم علم اليقين أنه لا يهديك ولا ينصرك, ولا يحميك ولا يتولاك, ولا يحفظك, ولا يمنحك إلا الله, إن عليك أن توحد اتجاه القلب, وتفرد الرب بالوحدانية والألوهية والسؤال والاستعانة والرجاء, وان تعلم قدر البشر, وان المخلوق يحتاج إلى الغني , وان الضعيف يحتاج إلى القوي, والقوة والغناء والبقاء والعزة المطلقة يملكها الله وحده.
إذا علمت ذلك, فاسعد بقربه وبعبادته والتبتل إليه, إن استغفرته غفر لك, وان تبت إليه تاب عليك, وان سألته أعطاك, وان طلبت منه الرزق رزقك, وان استنصرته نصرك, وان شكرته زادك ----------------------------