في غمرة من الليل و على ساحل البحر الهادئ بخطى مثقلة ، تستفزه هبة نسيم تعبث بقبعته المفضلة من ضمن مجموعته المشتراة أو المهداة ، يحبها كثيرا كلما حان موعد الخروج إلى البحر الذي يحسن الحديث إليه ، و البحر لا يحسن إلا الإصغاء ، يحسن من رواية سفره مع الناس على الرغم من مرورهم و كثرة عددهم ، يصطحبهم أو يصطحبونه بلا مقابل على عادة الأصدقاء ، يروي شجونه و أحزانه يعللها بلا تعليل و يمتد في سفره مثل حكاية الحياة الممتدة إلى الموت أو امتداد الموت إلى الحياة ، فلا يعجبه منهما إلا بقاؤهما و يعجز أن يختنار منهما ، يبادله أحاديث سفره مع أقرباء و غرباء و يلذ له المقام بالتفافهم عليه بالرغم من كثرة أحاديثهم و ما يحملونه لا يبالي البحر بهم ، يلذ لك ركوب السفينة مثلما يلذ له ذلك يتمتع برؤيتهم في غدوهم و رواحهم و يعجبه ركونهم إليه يسبحون في لجّه و لا يدرون ما ينتظرهم مع المتعة العمياء يروق لهم البقاء على صفحته الزرقاء ...يقفز فيهرول عندما تستفزه نسمة غربية كأنّه يرقص و يمدّ يده القصيرة للامساك بها و تعلو قليلا ثم تعلو كأنّها تعبث به أو يلهو بها ، يتذكر وقوعه في المرة السابقة فابتلت ملابسه و ما كان ليسقط لو لم يقفز قفزة أنسته بُعد المسافة بينه و بين الأرض ، يحمله الماء و يرمي به إلى الشاطئ ، يربكه برجفة اختبار للمغادرة و يحرض أمواجه المتلاطمة قد تبدو لك هادئة من حسنها تتلهف للعب معها و تركبها مثل ما تركب صهوة حصان و تستمر اللعبة و يلوذ له الأمر و تسقط القبعة و يجرفها الموج بهدوء و يعلو بها تارة و ينخفظ ...مسكة أولى و تنجح العملية ، يفرح بانجازه كالطفل الصغير عندما يرسم عالمه و ينسى العالم كله ، ، كالانتصار المرتقب يفاجئك على كثرة الكرّ و الفرّ ...كل ذلك و البحر ساكن ينتظر النتيجة في كلّ إقبال أو إدبار ، أفتراه يسخر مني صديقي الغريب ، قالها في نفسه ...و امتد به الحلم كامتداد البحر ....يضع قبعته التائهة على رأسه بلا وعي ، كطاقية الساحر تطوقه النجاة من اختفاء في عالم لذيذ لكنه محفوف بالمخاطر ...لأركب السفينة الآن و لأدع الأمر كما لو أني ربان فأختار وجهتي بيدي و لا أدع الآخرين يختارون لأنفسهم و أخفي عنهم ما أختار لألاّ يكثر الطلب في قيادتها ، و من باب المزاح أبوح لهم برغبتي في ذلك و أترك الجميع يسرحون مثلما سرحت فأحلامي ليست مجانا و لا للبيع ، حتى ولو كان البحر نفسه ربما المرة القادمة تكون الرحلة إلى عمقه